نبذة من سیرة الأمام موسى بن جعفر الکاظم(علیه السلام)
الخميس , 03/19/2020 - 02:09

نشأة الإمام موسى الکاظم(علیه‌ السلام):
هو سابع أئمة أهل البیت (علیهم ‌السلام) ، الکبیر القدر العظیم الشأن، الجاد فی العبادة المشهور بالکرامات، الکاظم الغیظ والعافی عن الناس، العبد الصالح وباب الحوائج إلى الله کما هو المعروف عند أهل العراق.


الأب :
هو سادس أئمة أهل البیت بعد الرسول(صلى ‌الله ‌علیه‌ و آله‌) أبو عبد الله جعفر ابن محمد الصادق معجزة الإسلام ومفخرة الإنسانیة على مرّ العصور وعبر الأجیال، لم تسمع الدنیا بمثله فضلا ونبلا وعلماً وکمالا.


الأم :
لقد کانت أم الإمام موسى الکاظم(علیه ‌السلام) من تلکم النسوة اللاتی جلبن لأسواق یثرب وقد خصّها الله بالفضل وعناها بالشرف فصارت وعاءً للإمامة والکرامة وتزوّج بها أبو عبد الله، فکانت من أعزّ نسائه وأحبهن إلیه، وآثرهن عنده.
واختلف المؤرخون اختلافاً کثیراً فی نسبها فقیل : إنها أندلسیة، وتکنّى لؤلؤة ، وقیل : إنّها رومیة ، وقیل إنها من أجلّ بیوت الأعاجم ، وکانت السیدة حمیدة تعامل فی بیتها معاملة کریمة، فکانت موضع عنایة وتقدیر عند جمیع العلویات، کما أن الإمام الصادق(علیه ‌السلام) کان یغدق علیها بمعروفه، وقد رأى فیها وفور العقل والکمال، وحسن الإیمان وأثنى علیها ثناءً عاطراً، فقال فیها:(حمیدة مصفاة من الأدناس کسبیکة الذهب، مازالت الأملاک تحرسها حتى أدیت إلیّ کرامة من الله وللحجة من بعدی...) ، وقد غذّاها الإمام الصادق بعلومه حتى أصبحت فی طلیعة نساء عصرها علماً وورعاً وإیماناً، وعهد إلیها بتفقیه النساء المسلمات وتعلیمهن الأحکام الشرعیة ، وأجدر بها أن تحتل هذه المکانة، وأن تکون من ألمع نساء عصرها فی العفّة والفقه والکمال.


الولید المبارک :
وامتدّ الزمن بعد زواج الإمام بها، وسافر الإمام أبو عبد الله إلى بیت الله الحرام لأداء فریضة الحج، فحملها معه، وبعد الانتهاء من مراسیمه قفلوا راجعین إلى یثرب، فلمّا انتهوا إلى (الأبواء) . أحسّت حمیدة بالطلق فأرسلت خلف الإمام تخبره بالأمر، لأنه قد عهد إلیها أن لا تسبقه بشأن ولیده، وکان أبو عبد الله یتناول طعام الغداء مع جماعة من أصحابه، فلما وافاه النبأ المسرّ قام مبادراً إلیها فلم یلبث قلیلاً حتى وضعت حمیدة سیداً من سادات المسلمین، وإماماً من أئمة أهل البیت (علیهم‌ السلام) .
لقد أشرقت الدنیا بهذا المولود المبارک الذی ما ولد ـ فی عصره ـ أیمن، ولا أکثر عائدة ولطفاً على الإسلام منه. لقد ولد أبرّ الناس، وأعطفهم على الفقراء، وأکثرهم عناءً ومحنة فی سبیل الله وأعظمهم عبادة وخوفاً من الله.
وبادر الإمام أبو عبد الله فتناول ولیده فأجرى علیه مراسیم الولادة الشرعیة فأذّن فی أذنه الیمنى، وأقام فی الیسرى.
وانطلق الإمام أبو عبد الله عائداً إلى أصحابه، وقد علت على ثغره ابتسامة فبادره أصحابه قائلین: أسرّک الله وجعلنا فداک یا سیدنا ، ما فعلت حمیدة ؟ فبشرهم بمولوده المبارک، وعرّفهم عظیم أمره قائلاً:(قد وهب الله لی غلاماً، وهو خیر من برأ الله) .
أجل أنه خیر من برأ الله علماً وتقوىً وصلاحاً، وتحرّجاً فی الدین وأحاط الإمام أصحابه علماً بأن ولیده من أئمة أهل البیت(علیهم ‌السلام) الذین فرض الله طاعتهم على عباده قائلاً لهم:(فدونکم، فو الله هو صاحبکم).
وکانت ولادته فی سنة (١٢٨ هـ) وقیل سنة (١٢٩ هـ) وذلک فی أیام حکم عبد الملک بن مروان.


حب وتکریم :
وقطع الإمام موسى شوطاً من طفولته وهو ناعم البال یستقبل الحیاة کل یوم بحفاوة وتکریم، فأبوه یغدق علیه بعطفه المستفیض ، وجماهیر المسلمین تقابله بالعنایة والتکریم ، وقد قدمه الإمام الصادق(علیه ‌السلام) على بقیة ولده، وحمل له من الحب ما لا یحمله لغیره، فمن مظاهر ودّه أنه وهب له قطعة من أرض تسمى البسریة، کان قد اشتراها بست وعشرین ألف دینار .
وتکلّم الإمام موسى وهو طفل بکلام أثار إعجاب أبیه فاندفع أبوه قائلاً:(الحمد لله الذی جعلک خلفاً من الآباء، وسروراً من الأبناء، وعوضاً عن الأصدقاء ).

صفته :
کان أسمر شدید السمرة ، ربع القامة، کث اللحیة ووصفه شقیق البلخی فقال: کان حسن الوجه ، شدید السمرة، نحیف الجسم.
وحاکى الإمام موسى فی هیبته هیبة الأنبیاء، وبدت فی ملامح شکله سیماء الأئمة الطاهرین من آبائه، فما رآه أحد إلاّ هابه وأکبره.
نقش خاتمه :
(الملک لله وحده).


کناه :
أبو الحسن الأول ، أبو الحسن الماضی، أبو إبراهیم، أبو علی، أبو إسماعیل.


ألقابه :
أمّا ألقابه فتدل على بعض مظاهر شخصیته، وجملة من جوانب عظمته، وهی کما یلی:


الصابر : لأنه صبر على الآلام والخطوب التی تلقاها من حکام الجور، الذین قابلوه بجمیع ألوان الإساءة والمکروه.


الزاهر : لأنه زهر بأخلاقه الشریفة وکرمه المضیء الذی مثل به خلق جده الرسول(صلى ‌الله‌ علیه‌ و آله) .


العبد الصالح : ولقب بالعبد الصالح لعبادته، واجتهاده فی الطاعة، حتى صار مضرب المثل فی عبادته على ممرّ العصور والأجیال وقد عرف بهذا اللقب عند رواة الحدیث فکان الراوی عنه یقول: حدثنی (العبد الصالح).


السید : لأنه من سادات المسلمین ، وإمام من أئمتهم، وقد مدحه بهذا اللقب الشاعر الشهیر أبو الفتح بقوله:
وإذا کنت للشریف غلاماً فأنا الحر والزمان غلامی


الوفی : لأنه أوفى إنسان خلق فی عصره، فقد کان وفیّاً بارّاً بإخوانه وشیعته وبارّاً حتى بأعدائه والحاقدین علیه.


الأمین : وکل ما للفظ الأمانة من معنى قد مثل فی شخصیته العظیمة فقد کان أمینا على شؤون الدین وأحکامه، وأمیناً على أمور المسلمین وقد حاز هذا اللقب کما حازه جده الرسول الأعظم من قبل، ونال به ثقة الناس جمیعاً.


الکاظم : وإنما لقّب بذلک لما کظمه من الغیظ عما فعل به الظالمون من التنکیل والإرهاق حتى قضى شهیداً مسموماً فی ظلمات السجون لم یبد لأحد آلامه وأشجانه بل قابل ذلک بالشکر لله والثناء علیه، ویقول ابن الأثیر: (إنه عرف بهذا اللقب لصبره، ودماثة خلقه، ومقابلته الشر بالإحسان).
ذو النفس الزکیة : وذلک لصفاء ذاته التی لم تتلوّث بمآثم الحیاة ولا بأقذار المادة حتى سمت، وانبتلت عن النظیر.


باب الحوائج : وهذا أکثر ألقابه ذکراً، وأشهرها ذیوعاً وانتشاراً، فقد اشتهر بین العام والخاص أنه ما قصده مکروب أو حزین إلا فرّج الله آلامه وأحزانه وما استجار أحد بضریحه المقدس إلا قضیت حوائجه، ورجع إلى أهله مثلوج القلب مستریح الفکر مما ألم به من طوارق الزمن وفجائع الأیام، وقد آمن بذلک جمهور شیعته بل عموم المسلمین على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم، فهذا شیخ الحنابلة وعمیدهم الروحی أبو علی الخلال یقول: (ما همّنی أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلا سهّل الله تعالى لی ما أحب)(١) .
وقال الإمام الشافعی: (قبر موسى الکاظم التریاق المجرَّب)(٢) .
لقد کان الإمام موسى فی حیاته مفزعاً وملجأ لعموم المسلمین وکذلک کان بعد وفاته حصناً منیعاً لمن استجار به(٣) .
الإمام موسى الکاظم علیه‌ السلام فی سطور:
الإمام موسى بن جعفر المعروف بـ (الکاظم الغیظ) سابع أئمة المسلمین بعد رسول الله(صلى‌ الله‌ علیه ‌و آله)‌ وأحد أعلام الهدایة الربّانیة فی دنیا الإسلام وشمس من شموس المعرفة فی دنیا البشریة التی لا زالت تشع نوراً وبهاءً فی هذا الوجود. إنه من العترة الطاهرة الذین قرنهم الرسول الأعظم(صلى ‌الله‌ علیه ‌و آله)‌ بمحکم التنزیل وجعلهم قدوة لأولی الألباب وسفناً للنجاة وأمناً للعباد وأرکاناً للبلاد. إنه من شجرة النبوة الباسقة والدوحة العلویة الیانعة ومحطّ علم الرسول وباب من أبواب الوحی والإیمان ومعدن من معادن علم الله.
ولد الإمام موسى بن جعفر فی نهایة العهد الأموی سنة (١٢٨ هـ) وعاصر أیّام انهیار هذا البیت الذی عاث باسم الخلافة النبویّة فی أرض الإسلام فساداً. وعاصر أیضاً بدایات نشوء الحکم العبّاسی الذی استولى على مرکز القیادة فی العالم الإسلامی تحت شعار الدعوة إلى الرضا من آل محمد صلى ‌الله ‌علیه ‌و آله‌ وسلم .
وعاش فی ظلّ أبیه الصادق(علیه ‌السلام) عقدین من عمره المبارک وتفیّأ بظلال علوم والده الکریم ومدرسته الربّانیة التی استقطبت بأشعتها النافذة العالم الإسلامی بل الإنسانی أجمع.
فعاصر حکم السفّاح ثم حکم المنصور الذی اغتال أباه فی الخامس والعشرین من شوال سنة (١٤٨ هـ) وتصدّى لمنصب الإمامة بعد أبیه الصادق(علیه ‌السلام) فی ظروف حرجة کان یخشى فیها على حیاته.
وقد أحکم الإمام الصادق علیه ‌السلام التدبیر للحفاظ على ولده موسى لیضمن استمرار حرکة الرسالة الإلهیة فی أقسى الظروف السیاسیة حتى أینعت ثمار هذه الشجرة الباسقة خلال ثلاثة عقود من عمره العامر بالهدى، وتنفّس هواء الحریة بشکل نسبی فی أیّام المهدی العبّاسی وما یقرب من عقد فی أیام حکم الرشید.
لقد عاش الإمام موسى الکاظم علیه ‌السلام ثلاثة عقود من عمره المبارک والحکم العبّاسی لمّا یستفحل ، ولکنه قد عانى من الضغوط فی عقده الأخیر ضغوطاً قلّما عاناها أحد من أئمة أهل البیت (علیهم ‌السلام) من الأمویین وممن سبق الرشید من العباسیین من حیث السجن المستمرّ والاغتیالات المتتالیة حتى القتل فی سبیل الله على یدی عملاء السلطة الحاکمة باسم الله ورسوله. وقد روی أنّ الرشید خاطب الرسول الأعظم (صلى ‌الله ‌علیه ‌و آله )‌ معتذراً منه فی اعتقال سبطه موسى بن جعفر علیه ‌السلام . زاعماً أنّ وجوده بین ظهرانی الأمة سبب للفرقة... وهکذا تحکم القبضة على رقاب المسلمین بل وأئمة المسلمین.. فإنا لله وإنا إلیه راجعون.
لقد سار الإمام موسى الکاظم (علیه‌ السلام) على منهاج جدّه رسول الله (صلى ‌الله‌ علیه‌ و آله)‌ وآبائه المعصومین علی أمیر المؤمنین والحسن والحسین وعلی ومحمد وجعفر... فی الاهتمام بشؤون الرسالة الإلهیة وصیانتها من الضیاع والتحریف، والجدّ فی صیانة الأمة من الانهیار والاضمحلال ومقارعة الظالمین وتأیید الآمرین بالمعروف والناهین عن المنکر للصدّ من تمادی الحکام فی الظلم والاستبداد.
وقد کانت مدرسته العلمیة الزاخرة بالعلماء وطلاّب المعرفة تشکّل تحدّیاً إسلامیاً حضاریّاً وتقف أمام تراث کل الحضارات الوافدة وتربی الفطاحل من العلماء والمجتهدین وتبلور المنهج المعرفی للعلوم الإسلامیة والإنسانیة معاً.
کما کانت نشاطاته التربویة والتنظیمیة تکشف عن عنایته الفائقة بالجماعة الصالحة وتخطیطه لمستقبل الأمةً الإسلامیة الزاهر والزاخر بالطلیعة الواعیة التی حفظت لنا تراث ذلک العصر الذهبی العامر بمعارف أهل البیت(علیهم‌ السلام) وعلوم مدرستهم التی فاقت کل المدارس العلمیة فی ذلک العصر وأخذت تزهر وتزدهر یوماً بعد یوم حتى عصرنا هذا.
لقد اشتهر الإمام موسى بالکاظم الغیظ لشدّة حلمه وبالعابد والتقی وباب الحوائج إلى الله، ولم یستسلم لضغوط الحکّام العباسیین ولألوان تعسفهم من أجل تحجیم نشاطه الربّانی الذی کانت تفرضه علیه ظروف المرحلة صیانة للرسالة والدولة الإسلامیة من الانهیار وتحقیقاً لهویّة الأمة ومحافظة على الجماعة الصالحة من التحدیات المستمرّة والمتزایدة یوماً بعد یوم.
لقد بقی هذا الإمام العظیم ثابتاً مقاوماً على خط الرسالة والعقیدة لا تأخذه فی الله لومة لائم حتى قضى نحبه مسموماً شهیداً محتسباً حیاته مضحّیاً بکل ما یملک فی سبیل الله وإعلاءً لکلمة الله ودین جدّه المصطفى محمد(صلى ‌الله‌ علیه ‌و آله)‌فی الخامس والعشرین من رجب سنة (١٨٣) أو (١٨٤ هـ).
اغتیال الإمام موسى الکاظم (علیه ‌السلام):
لقد عانى الإمام الکاظم(علیه ‌السلام) أقسى ألوان الخطوب والتنکیل، فتکبیل بالقیود، وتضییق شدید فی التعامل معه ومنعه من الاتصال بالناس، وأذى مرهق، وبعد ما صبّ الرشید علیه جمیع أنواع الأذى أقدم على قتله بشکل لم یسبق له نظیر محاولاً التخلص من مسؤولیة قتله وذهب أکثر المؤرخین والمترجمین للإمام إلى أن الرشید أوعز إلى السندی بن شاهک الأثیم بقتل الإمام(علیه‌ السلام) فاستجابت نفسه الخبیثة لذلک وأقدم على تنفیذ أفظع جریمة فی الإسلام فاغتال حفید النبی العظیم(صلى‌ الله‌ علیه‌ و آله
فعمد السندی إلى رطب فوضع فیه سماً فاتکاً وقدّمه للإمام فأکل منه عشر رطبات فقال له السندی (زد على ذلک) فرمقه الإمام بطرفه وقال له: (حسبک قد بلغت ما تحتاج إلیه).
ولمّا تناول الإمام تلک الرطبات المسمومة تسمّم بدنه وأخذ یعانی آلاماً شدیدة وأوجاعاً قاسیة، قد حفت به الشرطة القساة ولازمه السندی بن شاهک الخبیث فکان یسمعه فی کل مرة أخشن الکلام وأغلظه ومنع عنه جمیع الإسعافات لیعجل له النهایة المحتومة.
وفی الأثناء استدعى السندی بعض الشخصیات والوجوه المعروفة فی قاعة السجن، وکانوا ثمانین شخصاً کما حدّث بذلک بعض شیوخ العامة ـ حیث یقول: أحضرنا السندی فلما حضرنا انبرى إلینا فقال: انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإنّ الناس یزعمون أنّه قد فُعل به مکروه، ویکثرون من ذلک ، وهذا منزله وفراشه موسّع علیه غیر مضیّق، ولم یرد به أمیر المؤمنین ـ یعنی هارون ـ سوءاً وإنما ینتظره أن یقدم فیناظره ، وها هو ذا موسّع علیه فی جمیع أموره فاسألوه.
یقول الراوی: ولم یکن لنا همّ سوى مشاهدة الإمام(علیه‌ السلام) ومقابلته فلما دنونا منه لم نر مثله قطّ فی فضله ونسکه فانبرى إلینا وقال لنا:(أما ما ذکر من التوسعة، وما أشبه ذلک ، فهو على ما ذکر، غیر أنی أُخبرکم أیها النفر أنی قد سقیت السمّ فی تسع تمرات، وأنی أصفر غداً وبعد غد أموت.
ولمّا سمع السندی ذلک انهارت قواه واضطرب مثل السعفة التی تلعب بها الریاح العاصفة فقد أفسد علیه ما رامه من الحصول على البراءة من المسؤولیة فی قتله.


إلى الرفیق الأعلى:
وبعد أکله للرطب سرى السمّ فی جمیع أجزاء بدن الإمام(علیه‌ السلام) وقد علم أنّ لقاءه بربّه قد حان فاستدعى السندی. (فلمّا مثل عنده أمره أن یحضر مولى له ینزل عند دار العباس بن محمد فی مشرعة القصب لیتولى غسله، وسأله السندی أن یأذن له فی تکفینه فأبى وقال(علیه ‌السلام) :إنّا أهل بیت مهور نسائنا وحجّ صرورتنا وأکفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندی کفنی .

وأُحضر له السندی مولاه، وثقل حال الإمام(علیه ‌السلام) ، وأشرف على النهایة المحتومة، فأخذ یعانی آلام الموت فاستدعى المسیب بن زهرة فقال له: إنی على ما عرّفتک من الرحیل إلى الله عزّ وجلّ فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأیتنی قد انتفخت، واصفرّ لونی واحمرّ واخضرّ وتلوّن ألواناً فاخبر الطاغیة بوفاتی .

قال المسیب: فلم أزل أراقب وعده حتى دعا(علیه ‌السلام) بشربة فشربها ثم استدعانی، فقال لی:
یا مسیب ، إنّ هذا الرجس السندی بن شاهک سیزعم أنه یتولى غسلی ودفنی. وهیهات هیهات أن یکون ذلک أبداً .
فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قریش فالحدونی بها، ولا ترفعوا قبری فوق أربعة أصابع مفرّجات، ولا تأخذوا من تربتی شیئاً لتتبرکوا به فإنّ کل تربة لنا محرمة إلاّ تربة جدّی الحسین بن علی فإنّ الله عز وجل جعلها شفاءً لشیعتنا وأولیائنا.
قال المسیب: ثم رأیت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه، وکان عهدی بسیدی الرضا(علیه‌ السلام) وهو غلام، فأردت أن أسأله، فصاح بی سیدی موسى، وقال: ألیس قد نهیتک ؟
ثمّ إنّ ذلک الشخص قد غاب عنی، فجئت إلى الإمام وإذا به جثّة هامدة قد فارق الحیاة فأنهیت الخبر إلى الرشید بوفاته).

لقد لحق الإمام بالرفیق الأعلى وفاضت نفسه الزکیة إلى بارئها فاظلمَّت الدنیا لفقده وأشرقت الآخرة بقدومه، وقد خسر الإسلام والمسلمون ألمع شخصیة کانت تذبّ عن کیان الإسلام، وتنافح عن کلمة التوحید وتطالب بحقوق المسلمین وتشجب کل اعتداء غادر علیهم.
فسلام علیک یا بن رسول الله ،یوم ولدت ، ویوم استشهدت ، ویوم تبعث حیاً.

والمشهور أن وفاة الإمام (علیه‌ السلام) کانت سنة (١٨٣ هـ) لخمس بقین من شهر رجب وقیل : سنة (١٨٦ هـ) . وکانت وفاته فی یوم الجمعة وعمره الشریف کان یوم استشهاده خمساً وخمسین سنة أو أربعاً وخمسین سنة .

المصدر / اعلام الهدایة ج9.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تأریخ بغداد: ١ / ١٣٣ طبعة دار الکتب العلمیة بیروت.
(2)تحفة العالم: ٢ / ٢٠.
(٣) لقد اعتقد أغلب المسلمین أن الله یکشف البلاء، ویدفع الضر بالالتجاء إلى ضریح الإمام (علیه ‌السلام )، وقال ابن شهر آشوب فی مناقبه: رؤی فی بغداد امرأة تهرول فقیل: إلى أین؟ قالت: إلى موسى بن جعفر فإنّه حُبس ابنی، فقال لها حنبلی: إنّه قد مات فی الحبس، فقالت: بحقّ المقتول فی الحبس أن ترینی القدرة، فإذا بابنها قد أطلق وأُخذ ابن المستهزئ بجنایته. المناقب: ٤ / ٣٠٥.
المصدر: موقع العتبة الحسینیة المقدسة

المصدر :
الكلمات المفتاحية :