أشبه الناس خلقاً برسول الله
الأربعاء , 03/24/2021 - 9:27
أشبه الناس خلقاً برسول الله
بلى اذن الحسین ( علیه السلام ) لولده باقتحام الشهادة . ولکن طریقة اذنه کانت فریدة ..

رفع بصره الى السماء . وقال : اللهم إشهد على هؤلاء القوم . فقد برز الیهم غلام اشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولک ، وکنا إذا اشتقنا الى نبیک نظرنا الى وجهه ، اللهم امنعهم برکات الأرض ، وفرقهم تفریقاً ، ومزقهم تمزیقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترض الولاة عنهم أبداً ، فانهم دعونا لینصرونا ثم عدوا علینـا یقاتلوننـا .
ثـم صاح الحسین بعمـر بن سعد : مالک ؟ قطع اللـــه رحمک ولا بارک الله لک فی أمرک ، وسلّط علیک مـن یذبحک بعدی على فراشک کما قطعت رحمی ولم تحفظ قرابتی من رسول الله ثم رفع الحسین صوته وتلا : " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهیـم وآل عمران على العالمین ذریة بعضها من بعض والله سمیع علیم " (1)
وهکذا أعطى الامام وساماً عالیاً لهذا المجاهد الأمثل عند انطلاقته فی عملیة استشهادیة فریدة .ولم یفه الامام المعصوم ( علیه السلام ) بحرف باطلاً حاشا لله . إنه مصباح الهدى وسفینة نجاة کما کتب على ســاق العرش ، فکیف ینطق بالباطل .
فی واقعة مشابهة عندما برز الامام أمیر المؤمنین (علیه السلام) الى عمر بن ود العامری فی معرکة الخندق . هناک ایضاً اعطى النبی له وساماً عظیماً حینما قال : برز الایمان کلّه الى الکفر کلّه ..
منـذ القدیم کان الناس یعرفون بفطرتهم امکانیة انتقـال الصفات الجسدیة والنفسیة من الأب لإبنه او الجد لحفیده . ولکنّ البحوث العلمیة الحدیثة عمقت عندنا هذه المعرفة ، حینما کشفت لنا عن الجینات المورثة ومدى اثرها فی نقل الصفات من جیل لآخـر . وهکذا کان علی الأکبر ( علیه السلام ) أشبه الناس برسول الله . حیث تجلت فیـه شمائل الرسول الکریمة . من نبرات صوته الى ملامح وجهه الى طریقة مشیته . حتى انه نقل أن یهودیــاً رأى فی المنام رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) فقرر ان یعتنق الدین الاسلامی . فجاء الى الامام الحسین ( علیه السلام ) فادعى رؤیة رسول الله . فسأله ان کان یعرفه لو شاهده . قـال : بلى . فطلب علیاً الأکبر . فلما رآه استغرق فی العجب وقال کأنه هو .
کانت ولا تزال الأمة الاسلامیة بأشد ما تکون من الشوق الى رسول الله . حتى أن من الأدعیة الشائعة حتى الان بین المؤمنین الدعوة لبعضهم البعض برؤیة وجه رسول الله . وهکذا کان یتسلى المسلمون فی ذلک العهد حیث ملامح الرسول لم تزل معروفة عند الکثیر ممن رآه او سمع کامل وصفه ممن رآه من اصحاب الرسول ، کان یتسلى المسلمون بالنظر الى علی الأکبر .
ولکن هذه الصورة المشابهة جسدیاً ونفسیاً للرسـول أصبحت مادة ثمینة للتربیة المثلى . فاذا کانت صــورة علی الأکبر شبیهة بالنبی ، فإن نفسه أشـد ما تکون مناسبة لتلقـی اخلاق الرسول ایضـاً ..
انها ذهبة خالصة ، صاغتها ید الولایة . ید الامام الحسین سبط النبی فصارت أشبه الناس خلقاً برسول الله ( صلى الله علیه وآله ) وأنها شهادة عظیمة وعظیمة جداً ان یمتثل شخص ( من غیر الأئمة ) صفات الرسول . کان الرسول هو القرآن بکل جماله وبهاءه وعظمته وروعته . ولقد وصفه الله سبحانه بأنه على خلق عظیم .
وقد سرى حتى الیوم عطر خلقه فی حقول الایمان حتى انتشى به کل من أراد کمالاً او رام جمالاً . باخلاقه العطرة ( صلى الله علیه وآله ) فتح القلوب ، وملک الأفئدة حتى قلوب اعداءه ..
وعلی الأکبر ( علیه السلام ) تمثل تلک الأخلاق بأجلى صورها . فمن طلاقة الوجه ، الى أدب المنطق ، الى استقامة السلوک ، الى العفو والصفح ، الى الصبر والزهد، الى التقوى والیقیـن ، الى الشجاعة والتوکل ، وبالتالـی الى الخلق الذی هو أصل کل خلق فاضل وجذرکل سمو أی الصلة بالله سبحانه .
إن بلوغ شخص درجة عالیة من العلم ،کمال ، لاشک فـی اهمیته وصعوبته . ولکن بلوغ انسان الى درجة عالیة من الأخلاق وبهذا المستوى الأسمى من مجاهـدة النفس واتباع الوحی ، وتمثل الرسالة .. انها کمال لایسمو الیه کمـال .. ولقـد بلغـه علـی الأکبـر بشهـادة الامام الحسیـن ( علیه السلام).
وانا وأنت . کم نخسر لو ضیعنا فرصة العمر الوحیدة ولما نتمثل خلق الرسول ولو بصورة جزئیة . إن المال والجاه والزخارف الدنیویة کلها تصحبنا فی أحسن الفروض الى بوابة الآخرة ، أی باب القبر . بینما الخلق الفاضل یصحبنا لیکون عوناً عند سکرات الموت ، وأنیساً فی بیت القبـر ، وأمناً عند هول المطلع ، ونوراً فی القیامة ، وثقلاً فی المیزان عند الحساب ، ودرجة عالیـة فی الجنان . على أنه فی الدنیا نور وذکر حسن وسعادة .
ولأن علی الأکبر ( علیه السلام ) کان قمة فی الخلق المحمدی فقد شهد بفضله الناس وفرض شخصیته حتى علــى أعداءه . فهذا معاویة یزعم إن اولى الناس بالخلافـة إذا تجاوزت بنی أمیة انما هو علی الأکبر (2) .
وکلام معاویة لا یهمنا إلا بقدر انه یعکس مدى انتشار ذکر علی الأکبر ( علیه السلام ) العطر فی الآفاق حتى اضطر عدوه وعدو البیت الهاشمی الى الاعتراف بفضله .
_______________________
(1) بحار الأنوار / ج 45 / ص 43 .
(2)) بحار الأنوار / ج 45 / ص 45 .

الكلمات المفتاحية :