هذه الأسباب الّتي دفعت المأمون إلى إكراه الإمام الرّضا بقبول ولاية العهد 
الإثنين , 01/04/2021 - 10:40
هذه الأسباب الّتي دفعت المأمون إلى إكراه الإمام الرّضا بقبول ولاية العهد 
ما هي الأسباب الّتي دفعت المأمون إلى إكراه الإمام الرّضا عليه السلام، لكي يقبل ولاية العهد؟ وهل إكراهه له لأجل ميله إلى التّشيّع، كما ذهب بعضهم إلى ذلك؟ أم أنّ ذلك من ألاعيب السّياسة؟  

بقلم الشيخ يوسف أحمد السلطان
هذه شبهة حاول المأمون من خلالها أنْ يحقق غرضه، وهي أنّه شيعيّ وموالٍ للإمام الرّضا عليه السلام في الإعلام وبحسب الظّاهر. ولأجل كشف هذه الشّبهة نقول:  عندنا أصل مسلّم وهو أنّه "لا يجوز الرّكون إلى الظّالم"، قال: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون‏}(هود:113).
ولا شك أنّ الإمام عليه السلام هو المطبِّق الأوّل لهذا الأصل ولا يمكن أنْ يخالف هذا الأصل، فإنّ هذا أصل إسلاميّ. ومن جهة أخرى المأمون يعلم أنَّ الإمام الرّضا يعتقد بهذا الأصل وأنّه لا يركن إلى الظّالم، والمأمون يعلم أنه ظالم. فالإمام علیه السلام من المفترض ألّا يركن إليه.
وحينئذٍ يريد المأمون أنْ يَقفِزَ على هذا الأصل، ويُبيّنَ للنّاس أنّه ليس بظالم، ولا يمكنه أنْ يحقّق ذلك بالكلام، بل لا بُدّ أنْ يثبتَ ذلك بالفعل، بحيثُ لا يمكن أنْ ينكر ذلك أحد.  فيجعل الإمام يركن إليه بحسب الظّاهر وإعلاميّاً.  فتكون النّتيجة أنّه ليس بظالم، وهذه من السّياسات الخبيثة الّتي ارتكبها المأمون، حتّى شبّه ذلك على بعض الشّيعة في هذا الأمر فضلاً عن غيرهم.
وهذه نقطة مهمّة استفاد منها المأمون إعلاميّاً، حتّى يُبيّنَ للنّاس أنّه ليس بظالم، باعتبار أنّ الإمام عليه السلام لا يمكن أن يخالف الأصل المذكور، فلا يركن إلى الظّالم، وإذا رأى النّاسُ الإمامَ قد ركن إلى المأمون، فسيقولون إنّ المأمون ليس بظالم، فإذا نجح المأمون في ذلك فيكون قد حقّق مكسباً كبيراً بالنّسبة إليه.
ومن جهة ثالثة أنَّ الأرضيّة في تلك الفترة الزّمنيّة في الدّولة العباسيّة، أي فترة ما قبل المأمون وزمان المأمون وما بعده، كانت فترة ثورات، بل إنّ نفس المأمون وصل إلى سدّة الحكم بالثّورة على أخيه الأمين وقتله، فكانت السّاحة ميدانيّاً وعسكريّاً مضطربة ومهيّئة لأنْ تحصل ثورةٌ على المأمون، خصوصاً من القسم الأكبر الّذين يشكّلون خطراً أكبر عليه وهم العلويّون وأنصارهم، حيثُ حصلت في تلك الفترة ثورات وأخمدوها بالقوّة، وبقيت هذه النّار تشتعل تحت الرّماد، فتوجد في الأرضيّة قابليّة خروج ثورة على المأمون، فإذا ما خرجت ثورات متعدّدة في أقطار مختلفة فسوف تسقط الدّولة العباسيّة، وطريق تجاوز هذه الأزمة وهذه الأخطار سياسيّاً وعسكريّاً هو السّيطرة على القسم الأكبر من النّاس وهم العلويّون، الّذين يشكّلون خطراً كبيراً على حكومة المأمون، فإذا استطاع المأمون إعلاميّاً وسياسيّاً أن يخدع الرّأي العامّ وأن يبيّن لهم أنّه على وفاق مع الإمام الرّضا، فيكون بذلك قد نزع فتيل الأزمة، ويكون في مأمن من الثورات المتوقّع حصولها عليه من قبل العلويّين أو أتباعهم ممّن ينادون بالرّضا من آل محمّد، وذلك لا يكون بالكلام؛ إذ لن يجد من يصدّقه، فيلبّس عليهم أنّ الإمام الرّضا بجانب المأمون، فلا حُجّة لهم أنْ يثوروا عليه.
وهذا من دهاء المأمون الّذي عُرِف به من بين خلفاء بني العبّاس، بل عُدّ من دواهي العرب، فمن الطّبيعيّ أنْ تصدر منه هذه الحيلة لخداع الرّأي العامّ، وبيان أنّه ليس بظالم وحينئذٍ لا يجوز الثّورة عليه.
ومن هنا اشتبه بعضهم وقال بتشيّعه!  مع أنّه ليس عنده حتّى ميل للتّشيّع في الواقع، وهواه على غير التّشيّع.  ثمّ من جهة أخرى حاول أنْ يُبيّن نفسه للرّأي العامّ عالِماً وفقيهاً، وهذا يظهر من خلال الرّوايات المتعدّدة الّتي تتضمّن أسئلة وجّهها إلى الإمام الرّضا مباشرة، وهي موجودة اليوم بعنوان أجوبة الإمام الرّضا على المأمون، ومن خلال هذه الرّسائل حاول أن يكشف لعامّة النّاس بأنّه لم يكن شخصاً عاديّاً.
فقد روى الشّيخ الصّدوق الرّواية المعروفة برواية محض الإسلام، المتضمّنة سؤالاً من المأمون للإمام الرّضا عليه السلام، في حديث طويل، بإسناده عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار.
فكتب له: "أَنَّ مَحْضَ الْإِسْلَامِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَهاً وَاحِداً أَحَداً فَرْداً صَمَداً قَيُّوماً سَمِيعاً بَصِيراً قَدِيراً قَدِيماً قَائِماً بَاقِياً عَالِماً لَا يَجْهَلُ قَادِراً لَا يَعْجِزُ غَنِيّاً لَا يَحْتَاجُ عَدْلًا لَا يَجُورُ، وَأَنَّهُ‏ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا كُفْ‏ءَ لَه... الخ".
ولذلك استفاد من هذه الجهة وأنّه عالم وفقيه ومن جهات أخرى، وبالنّتيجة لا يمكن أن يقتل الإمام الرّضا، فقتله ومشى في جنازته وذرف عليه دموع التّماسيح، ومشى في جنازته حافياً، وأقام العزاء على الإمام، حتّى تستمرّ هذه الحيلة ويُظهر أنّه بريء، والحال أنَّ تاريخه مليء بالظّلم والعدوان، ومن الشّواهد على ذلك قتله لأخيه الأمين، لا لأجل فساد أخيه، بل هو أفسد من أخيه، وإنّما لأجل السّلطة، فهو من أهل المجون والخمور، فأين هو من التّشيّع؟!  نعم هو يحاول أن يَظْهَرَ بمظهر المتنسّك المتديّن العالم والقريب من الإمام!  ولذلك اشتبه على بعضهم وقال بتشيّعه.
لذلك أراد أنْ يحصّن نفسه سياسيّاً فأكْرَهَ الإمامَ عليه السلام على قبول ولاية العهد، ولم يُظهر إعلاميّاً أنّه بصورة الإكراه، بل كان ذلك من وراء السّتار.
عن مجلة رسالة القلم