القيادة والتّشخيص الأصلح... الحسن المجتبى (ع) نموذجاً
الإثنين , 04/26/2021 - 14:13
القيادة والتّشخيص الأصلح... الحسن المجتبى (ع) نموذجاً
من العناصر الّتي تكوّن المجتمع وتجمع شتاته وتجعله منظّماً هو وجود القيادة الحكيمة، الّتي بها تقوم المجتمعات على قدميها وتنهض مشاريعها ولا تضيع حقوقها ولا تكون فريسة للطّواغيت؛ إذ إنّ الطّواغيت متى ما وجدوا مجتمعاً مشتّتاً ليس له قيادة واعية وحكيمة انقضّوا عليه بطريقة وأخرى.

ومن أصعب الأمور الّتي تتّخذها القيادة هي مسألة التشخيص إذا كان الأمر يتعلّق بمصلحة أو مفسدة ترجع لكلّ المجتمع وتسليم النّاس بذلك، وتكون أصعب من ذلك لو كان متعلّق التّشخيص هي أعراض ودماء النّاس، فتحتاج إلى معصوم أو من هو قريب من المعصوم كالفقهاء، فإذا شخّص المعصوم قرار الحرب أو السّلم فإنّه عالم بما هو أصلح فلا يناقشه أحد أو يعترض عليه؛ لأنّه منصوب من قبل الله، وأحسب أنّ كثيراً من الويلات والمصائب الّتي عاشتها وتعيشها الأمّة بسبب عدم اتّباع القيادة وتشخيصها، وحينما نسلّط الضوء على حياة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام نجد ذلك جليّاً، حيث إنّه لم يعترض على أبيه وكذلك سيّد الشّهداء لم يعترض على تشخيص أخيه الحسن المجتبى.
عاش الإمام الحسن المجتبى في حياة أبيه وكان مطيعاً ومسلّماً لأوامر أبيه أميرالمؤمنين عليه السلام، وكان يرى أباه إماماً وقدوة واجب الطاعة، مع أنّه معصوم كأبيه، ولكنّه يتلقّى أوامر أبيه تلقّي العبد أوامر سيّده، بل أكثر من ذلك فقد كان فدائيّاً وجنديّاً وسيفاً في يد أبيه، بل عينه الّتي يبصر بها. نماذج انقياد الحسن المجتبى لأمير المؤمنين لم يرفض المشاركة في كلّ معارك أبيه مع النّاكثين والقاسطين والمارقين.
من المواقف المهمّة في حياة الإمام الحسن المجتبى موقف الصّلح، فأمّا موقف السّبط الشّهيد من الصّلح الذي أجراه الإمام الحسن اقتضاءً لمصحة الأمّة الإسلاميّة، فإنّه وإن كان مع معاوية الّذي طالما حارب الإسلام وقتل ما قتل من الصّحابة والتّابعين، إلا أنّه نجد الإمام الحسين عليه السلام لم يعترض على ذلك أبداً مع أنّه يعلم كما يعلم أخوه الإمام عن خبث وغدر معاوية، ولكن رعاية لمصلحة الأمّة الإسلاميّة وحقناً للدّماء، بل ربّما لو لا هذا الصّلح لما افتضح معاوية وانكشف زيفه أمام النّاس، وقد قام بهذا الصّلح متأسيّاً بجدّه حينما صالح قريشاً، فمن هذا الصّلح ظهر بشكل أكثر وضوحاً حرص الإمام الحسن على الإسلام والأمّة وظهر في المقابل زيف معاوية وحرصه على الملك وشغفه بالسّلطة والكرسيّ، فبعد أن صالح معاوية الإمام الحسن جاء إلى أهل الكوفة ناكثاً للعهد والصّلح - كما هي عادة الطّواغيت - وخطب فيهم: "إنّي والله ما قاتلتكم‏ لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون".
نلاحظ أنّ الإمام الحسين كان مطيعاً ومسلّماً لما يفعله أخوه؛ لأنّه يعلم أنّ طاعة أخيه من طاعة النّبي(صلی الله عليه وآله) الّتي هي من طاعة الله.
سرّ سكوت وتسليم الإمام الحسن المجتبى عن أبيه أمير المؤمنين وسكوت الإمام الحسين عن أخيه الإمام الحسن المجتبى: في الحقيقة يرجع السرّ في ذلك إلى أمور منها: الأوّل: معرفة الله، فإنّ من يعرف الله حقّ معرفته يكون مسلّماً وطائعاً لإمام زمانه.
الثّاني: معرفة المعصوم، وهي أن يكون الإنسان معتقداً أنّ المعصوم مفترض الطّاعة، والدّعوة إلى محاسبة المعصوم هي في الحقيقية جهل بمقام المعصوم، وهذا يدلّ بالدّلالة التّضمّنيّة أنّ من يدعو إلى ذلك عنده خلل في اعتقاده، فالقرآن قبل الرّوايات الشّريفة تشير إلى هذا الأمر العقليّ وهو التّسليم والانقياد للمعصوم باعتباره انقياداً للخالق الّذي له حقّ الطّاعة وكلّ ما يعتبره {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}.
الثّالث: الرّجوع إلى أهل الخبرة، فإنّه من المسلّم عقلائيّاً في كلّ تخصّص رجوع الجاهل إلى العالم، فتجد الطّبيب يُرجع إليه في الأمور الطّبيّة بحسب تخصّصه، والميكانيكيّ يُرجع إليه فيما يختصّ بأمور السّيارات، والمتخصّص في الكهرباء يُرجع إليه في شؤون الكهرباء، وهكذا يُرجع إلى أهل التّخصّص في كلّ مجال: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} والأمور الدّينيّة من مسائل أحكام ليس بدعاً عنها، فيرجع فيها إلى أهل التّخصّص وهم المعصومون ومن بعدهم نوّابهم، بل إنّ المعصوم هو لكلّ الأمور الدّنيويّة والأخرويّة، فمسألة الدّماء والأعراض والفروج تحتاج في الرّجوع فيها إلى المعصوم أو نوّابه، لأنّها مسألة مهمّة وخطيرة ومن تخصّص المعصوم ونوّابه، فهم يشخّصون هذه الأمور الخطيرة. ولا يقال بأنّ السّياسة هي ليست من وظيفة المعصوم أو نوّابه وأنّها وظيفة غيرهم، وشغل المعصوم ونوّابه هو الدّين والمسائل الشّرعيّة، بل السّياسة من صميم الدّين، فالدّين منظومة متكاملة جاء لينتشل النّاس وينقذههم من الظّلم والظلمات ويأخذ بيد الإنسان إلى كماله المنشود، وهذه المنظومة تشمل السياسة وغيرها بلا استثناء،
الأمر الرّابع: الضّرر المحتمل، فمن يتّبع المعصوم يأمن الضّرر في الدّنيا والآخرة، لأن اتّباع غير المعصوم وغير نائبه احتمال الخطأ في اتباعه كبير، وبالتّالي العقل يحكم بالاتّباع والانقياد للمعصوم.
الأمر الخامس: وهو ربّما أهمّ أمر وهو مسألة براءة الذّمّة والتعذير، فلو سلّمت الأمر إلى المعصوم أو نائبه أكون معذوراً أمام الله يوم القيامة، لأنّه هو من أمرني باتّباع المعصوم أو نائبه.

 

المصدر :
مجلة رسالة القلم - الشيخ منصور إبراهيم الجبيلي