ذکرى هدم أضرحه البقیع.. الأسباب والمطالبات
الأربعاء , 05/19/2021 - 13:32
ذکرى هدم أضرحه البقیع.. الأسباب والمطالبات
الثامن من شوال ذکرى ألیمه على قلوب أتباع أهل بیت النبوة علیهم السلام وهي هدم أضرحة أئمة أهل البیت في البقیع، إذ ارتکب الوهابیة وآل سعود جریمة العصر من خلال محاولة محو ذاکرة المسلمون، وإزالة کل ما یربطهم بالتاریخ الإسلامي.

حمد جاسم محمد
تضم مقبرة البقیع أضرحة عدد کبیر من الصحابة وآل بیت النبي والمسلمون الآخرون ومنهم الأئمة الأربعة وهم الإمام الحسن بن علي والإمام علي بن الحسین والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق (علیهم السلام) في قبة واحدة وتزار فاطمة الزهراء علیها السلام في بقعتهم حیث تشیر بعض الروایات أنها دفنت هناک ومن هنا لا بأس بزیارة الصدیقة الطاهرة (علیها السلام) في البقیع.
هدم الأضرحة المقدسة
ولقد انصب الحقد الوهابي في کل مکان سیطروا علیه، على هدم قبور الصحابة وخیرة التابعین وأهل بیته الأطهار وکانت المدینتان المقدستان (مکة والمدینة) ولکثرة ما بهما من آثار دینیة، من أکثر المدن تعرضا لهذه المحنة العصیبة، التي أدمت قلوب المسلمین وقطعتهم عن تراثهم وماضیهم التلید، وکان من ذلک هدم البقیع الغرقد بما فیه من قباب طاهره لذریة رسول الله وأهل بیته وخیرة أصحابه وزوجاته وکبار شخصیات المسلمین.
وقد قاموا بتهدیم قبور بقیع الغرقد مرتین:
الأولى: عام ۱۲۲۰هـ – ۱۸۰۵ م الجریمة التي لا تنسى، عند قیام الدولة السعودیة الأولى حیث قام آل سعود بأول هدم للبقیع وذلک عام ۱۲۲۰ هـ، وعندما سقطت الدولة على ید العثمانیین أعاد المسلمون بناءها على أحسن هیئة من تبرعات المسلمین، فبنیت القبب والمساجد بشکل فني رائع حیث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنین بعد أن ولى خط الوهابیین لحین من الوقت، ویقول أحد الرحاله الإنجلیز حین وصف المدینة المنورة بعد تعمیرها بأنها تشبه اسطنبول أو أیه مدینة أخرى من المدن الجمیلة في العالم، وکان هذا في عام ۱۸۷۷-۱۸۷۸م أي قبل تعرض المدینة المبارکة لمحنتها الثانیة على أیدي الوهابیین العتاة.
الثاني: عام ۱۳۴۴هـ – ۱۹۲۵م، إذ عاود الوهابیون هجومهم على المدینة المنورة مرة أخرى في عام ۱۳۴۴هـ، وذلک بعد قیام دولتهم الثالثة وقاموا بتهدیم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار وأهل بیت رسول الله بعد تعریضها للهدم بفتوى من وعّاظهم، فاصبح البقیع وذلک المزار المهیب قاعا صفصفا لا تکاد تعرف بوجود قبر فضلا عن أن تعرف صاحبه، ویصف الرحاله الغربي واسمه (ایلدون رتر)، المدینة المنورة بعد الجریمة الثانیة التي نفذها الوهابیون عند استیلائهم على المدینة وقتلهم الآلاف من الأبریاء، یقول: “لقد هدمت واختفت عن الأنظار القباب البیضاء التي کانت تدل على قبور آل البیت النبوي.. وأصاب القبور الأخرى نفس المصیر فسحقت وهشمت”.
فبعدما استولى آل سعود على مکّه المکرّمه والمدینة المنوّره وضواحیهما عام ۱۳۴۴ هـ، بدؤوا یفکّرون بوسیلة ودلیل لهدم المراقد المقدّسة في البقیع، ومحو آثار أهل البیت والصحابة.
وخوفاً من غضب المسلمین في الحجاز، وفي عامّة البلاد الإسلامیة، وتبریراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة; استفتوا علماء المدینة المنوّرة حول حُرمه البناء على القبور، فکتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابیین “سلیمان بن بلیهد” مستفتیاً علماء المدینة، فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم، وتحت التهدید والترهیب وقع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور، تأییداً لرأي الجماعة التي کتبت الاستفتاء.
واستناداً لهذا الجواب المشؤوم اعتبرت الحکومة السعودیة ذلک مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعین ـ وهي في الحقیقة إهانه لهم ولآل الرسول (صلى الله علیه وآله) ـ فتسارعت قوى الشرک والوهابیّة إلى هدم قبور آل الرسول (صلى الله علیه وآله) في الثامن من شوّال من نفس السنة ـ أي عام ۱۳۴۴ هـ ـ فهدّموا قبور الأئمة الأطهار والصحابه في البقیع، وسوّوها بالأرض، وشوّهوا محاسنها، وترکوها معرضاً لوطئ الأقدام، ودوس الکلاب والدواب.
ونهبت کل ما کان في ذلک الحرم المقدّس، من فرش وهدایا، وآثار قیّمة وغیرها، وحَوّلت ذلک المزار المقدّس إلى أرضٍ موحشة مقفرة.
وکانوا قد بدؤوا في تهدیم المشاهد والقبور والآثار الإسلامیة في مکة والمدینة وغیرهما.. ففي مکة دُمرت مقبرة المعلاة، والبیت الذي ولد فیه الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم)، أما ما یسمى بنکبة البقیع حیث لم یُبق الوهابیون حجراً على حجر، وهدموا المسجد المقام على قبر حمزة بن عبد المطلب سید الشهداء ومسجد الزهراء واستولوا على أملاک وخزائن حرم النبي، وهُدمت قبور أهل البیت النبوي والمزارات والأماکن المقدسة لمطلق المسلمین سنة وشیعة، فقد وصفها احد الشهود، حین هجم الوهابیون على الطائف بقوله: “رأیت الدم فیها یجري کالنهر بین النخیل، وبقیت سنتین عندما أرى الماء الجاریة أظنها والله حمراء “، وکان ممن قتل في هذه الهجمة التاریخیة المشهورة التي تدل على همجیتها على البعد البعید للوهابیة عن الإسلام ووجههم المزري والمشوه للإسلام (الشیخ الزواوي) مفتي الشافعیه وجماعة من بني شیبة (سدنة الکعبة).
وتشیر الوثائق التاریخیة والشواهد إلى أن الوهابیین لم یکتفوا بتلک الجرائم بل حاولوا مراراً هدم قبر الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وقبته وبدؤوا في محاولات مشبوهه للمساس بالقبر النبوي الشریف لکنهم لم یتمکنوا من الاستمرار فیها، حیث أنهم أرادوا هدم قبة الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) لکن تظاهر المسلمین في العراق الهند ومصر وترکیا وبعض بلاد أفریقیا والذین هاجوا وماجوا وأقاموا المظاهرات المعادیة للوهابیة قد أثار مخاوف البریطانیین من انفلات الأمر من أیدیهم لهذا فقد أوعزوا إلى عمیلهم العالم الوهابي أن یقول للناس إني رأیت البارحة رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) في المنام فأمرني أن اترک قبره، فقلت یا رسول الله لماذا ؟ قال: لأن المصلحة في بقاء قبري إلى حین وبذلک أجاب عن الوهابیین الملتفین حوله الذین کانوا یقولون إن کانت القبور بدعة فلماذا بقاء قبر رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم)، وإن لم تکن بدعة فلماذا هدم تلک القباب الأخر للأئمه وأولاد النبي وأصحابه وزوجاته ومن إلیهم؟، وهذه القصة معروفة ومشهورة في أمر توقفهم عن هدم قبر وقبة النبي صلى الله علیه وآله وسلم، وهم یحنّون إلى العمل على هدمهما إلى الآن، لکن خشیتهم من العواقب الوخیمة لهذا العمل تحول دون ذلک.
أسباب الهدم
۱-  القضاء على الإسلام، لم یکن هذا العمل إلا لأجل القضاء على الإسلام، فلذلک عمدوا على تدمیر کل اثر یدل على حضارة الإسلام، وهدموا ذلک الأثر تمهیدا للقضاء على المؤثر، لأنک إن قضیت على مدلول الشيء تکون مهدت للقضاء على الشيء نفسه، وها هم یهدمون آثار الإسلام وقبور عظماء المسلمین لأنها دالة على وجود الإسلام، ولو تساءلنا من المستفید من القضاء على الإسلام؟ لوجدنا حقیقة واضحة وهم الیهود، فلهم دور کبیر توجیهي بهدم آثار الإسلام، فلذلک وکما قیل أنهم توجهوا إلى الأثر الباقي من باب خیبر فهشموها قطعةً قطعة.
۲-  تضلیل الناس عن الحقیقة، فخفاء تاریخ البقیع، هو محاولة لتضلیل الناشئه والشباب في هذه العصور المتأخرة، وإخفاء ناشئ المصادر أولا، عن هذا الإرث الحضاري الإسلامي، إذ إن التعتیم الإعلامي السعودي والغربي علیه، لعب دورا في تقلیل من أهمیته، ومحاولة إزالة آثاره بالمرة.
۳- العداء لأهل البیت (علیهم السلام) والقضاء على ذکرهم، وهذا واضح جلي لأنه متوارث عندهم، مع العلم ان الذي أفتى بهدم القبور اعتمد بفتواه على ابن تیمیة وابن تیمیة یقول (ان علي بن أبی طالب لم یصح إسلامه لأنه اسلم صبیا)، ومن الأمور التي تکشف عن إنسان وماله من أهمیة عند الله أو في المجتمع، هو تقدیس الناس واحترامهم له بسبب صلاح سیرته وتقواه.
۴- ومن جملة الطرق التي یتخذها الناس لتقدیس عظمائهم هي تخلید آثارهم وبناء قبورهم، فوجود قبور العظماء أو الآثار دلالة على مکانة أصحاب تلک القبور، وبما أن مکة والمدینة تأتیها الحجاج من کل بقاع العالم وقبور البقیع مشیدة، فإنها ستثیر التساؤل عن أصحاب تلک القباب، وتلفت النظر إلیهم، وکیف حصلوا على هذه المکانة، مما یؤدي لانحیاز ذوي العقول إلى مذهبهم.
۵- کذلک حقد الوهابیة وال سعود على هذه الأماکن المقدسة، ومحوا أي کرامات لهذه البقع المقدسة.
۶- الحسد، لا یتحمل الحاسد ان یرى النعمة بادیة على أخیه المؤمن أو المسلم بل یسعى وبکل الطرق إلى إزالة هذه النعمة، فلذلک أمر الله عزوجل بالاستعاذة منه (ومن شر حاسد اذا حسد)، وبعض آیات القرآن تحدثت عن جرائم القتل التي کان الباعث لها الحسد، کحسد قابیل لأخیه هابیل، وحسد إخوة یوسف، ومن قتل أهل البیت علیهم السلام لم یکن الا حسدا بهم. نعم وهؤلاء هدموا قبور الأئمة حسدا لأنهم وجدوا أهل البیت علیهم السلام وذریتهم امتازوا في الدنیا بتلک الأضرحة والقباب المشیرة والدالة على شرفهم ومکانتهم عند الله عز وجل في الدنیا والآخرة
لم تکن مظلومیة الأئمة علیهم السلام المدفونین في البقیع في حیاتهم فقط، وإنما مستمرة إلى وقتنا الحاضر، من خلال هدم قبورهم وحرمان شیعتهم من زیارتهم وهو ظلم واضح جلي، فیجب علینا في الوقت الحاضر أن نطالب ببناء قبور البقیع، بجمیع الوسائل السلمیة، ومنها المظاهرات والندوات، والطلب من المنظمات الدولیة والإنسانیة للمساعدة في بناء الأضرحة المقدسة، کذلک نقف بکل قوه بوجه الحملة الوهابیة الجدیدة التي یقودها تنظیم داعش الإرهابي ومحاولتهم هدم ما تبقى من الأماکن المقدسة، فقد دمروا في الموصل وسوریا العدید من أضرحة الأنبیاء ومقامات الأئمه (علیهم السلام)، والمساجد التاریخیة والأثریة القیمة، والکنائس الأثریة وکل اثر دیني تاریخي یدل على عظمة الإسلام والأنبیاء والرسل، وهي سیاسة الیهود وإذنابهم الوهابیة، کذلک محاولاتهم الوصول الى الأماکن المقدسة في کربلاء والنجف، علینا کمسلمین الوقوف صفا واحدا خلف مراجعنا العظام وتوجیهاتهم وفتاویهم للدفاع عن المقدسات، للوقوف بوجه هذه الحملة التي تقودها الوهابیة ضد الإسلام والمسلمین.