مسألة ولاية العهد
السبت , 06/05/2021 - 10:00

عندما قدم الإمام الرضا (عليه السلام)، إلى مرو رحب به المأمون أحسن ترحيب وأكرمه، وأخذ يعرض على الإمام (عليه السلام) قبول الخلافة، والإمام يرفض، وبعد شهرين من الإصرار ولما يئس المأمون من قبول الإمام للخلافة، عرض عليه ولاية العهد، وقد روى لنا حكاية ولاية العهد بالتفصيل أبو الصلت الهروي.
روي عن أبي الصلت الهروي، إن المأمون قال للرضا علي بن موسى (عليه السلام): يا ابن رسول الله، قد عرفت فضلك، وعلمك، وزهدك، وورعك، وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني.
فقال الرضا (عليه السلام): "بالعبودية لله عزوجل أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزوجل".
فقال له المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك وأبايعك.
فقال له الرضا (عليه السلام): "إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك، فلا يجوز أن تخلع لباسا البسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ماليس لك".
فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، لا بد لك من قبول هذا الأمر.
فقال (عليه السلام): "لست أفعل ذلك طائعا أبدا".
قال أبوالصلت: فما زال يجهد به أياما حتى يئس من قبوله.
فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي.
فقال الرضا (عليه السلام): "والله لقد حدثني أبي عن آبائه، عن أمير المؤمنين عن رسول الله (صل الله عليه وآله)، أني أخرج من الدنيا قبلك، مقتولا بالسّمّ مظلوما تبكي عليّ ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد".
فبكى المأمون، ثم قال له: يا ابن رسول الله، ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة اليك وأنا حي؟
فقال الرضا (عليه السلام): "أما إني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت".
فقال المأمون: يا أبن رسول الله، إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس أنك زاهد في الدنيا.
فقال الرضا (عليه السلام): "والله ما كذبت منذ خلقني ربي عزوجل، وما زهدت الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد".
فقال المأمون: وما أريد؟.
قال (عليه السلام): "الأمان على الصدق". 
قال : لك الأمان.
قال (عليه السلام): "تريد بذالك أن يقول الناس، إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة؟"
فغضب المأمون، ثم قال: إنك تتلقاني أبدا بما أكرهه، وقد آمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك.
فقال الرضا(عليه السلام): "قد نهاني الله عزوجل أن ألقى بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أني لا أولى أحدا، ولا أعزل أحدا، ولا أنقص رسما ولا سُنّة، وأكون في الأمر من بعيد مشيرا".
فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه (عليه السلام) لذلك.

مراسم البيعة لولاية العهد
بعد قبول الرضا (عليه السلام) بولاية العهد، كتب المأمون العهد ولما قدمه للرضا (عليه السلام)، قبله وكتب على ظهره قوله تعالى: [يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُور].
وعقد المأمون لبيعة الإمام (عليه السلام)، مجلسا شعبيا حضره رجال الدولة العباسية، وعامة الناس وفي طليعتهم العلويون، وكان ذلك في اليوم السادس من شهر رمضان المبارك، سنة 201 هـ، حسب القول المشهور.
وعن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: كانت البيعة للرضا (عليه السلام)، لخمس خلون من شهر رمضان سنةإحدى ومائتين (201هـ).
وفي هذا اليوم، بايع المأمون، وابنه العباس، ووزيره فضل بن سهل السرخسي "ذوالرياستين"، وكبار رجال الدولة الإمام الرضا (عليه السلام)، ثم أخذ يبايعه الناس واحدا تلو الآخر ويشيدون بفضل الإمام (عليه السلام).
ثم قام الإمام (عليه السلام) وخطب الناس فقال: "أيها الناس إن لنا حقا برسول الله، ولكم علينا حقا به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم".
وأصدر المأمون قرارات بمناسبة عقد ولاية العهد للإمام (عليه السلام)، منها: ترك لباس السواد الذي كان شعار العباسيين وارتداء اللباس الأخضر، الذي كان يمثل شعار العلويين، وهو لباس أهل الجنة يقول تعالى: [وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِن سُندُسٍ وَإسْتَبْرَقٍ]، كما أمر المأمون بصك الدراهم والدنانير بإسم الإمام الرضا (عليه السلام).
ونقل الصدوق أن المأمون زوج إبنته أم حبيب للإمام (عليه السلام) في يوم البيعة، كما عقد إبنته الأخرى أم الفضل فيما بعد في العراق لإبنه الجواد (عليه السلام).
وفي النقل الثاني عن الصدوق، أن المأمون زوج إبنته أم حبيب للإمام (عليه السلام)، في أول سنة 202هـ، ولعل المأمون كان يريد بذلك جواب المعترضين بإنتقال الخلافة، بأنها تنقل إلى أصهار العباسيين، ثم إلى أسباطهم، ولكنهم لم يقتنعوا بذلك.

الدوافع السياسية لولاية العهد
نقل أن المأمون كان قد نذر وعاهد الله، إذا تغلب على أخيه الأمين واستلم الحكم، ان يضع هذا الأمر في موضعه الذي وضعه الله، لا كما اشتهر بين الناس، بأن بيعة الرضا (عليه السلام) كانت من تدبير الفضل بن سهل، وقد صدق الصدوق به فقال: "الصحيح عندي أن المأمون إنما ولاه العهد وبايع له للنذر الذي قد تقدم ذكره، وأن الفضل بن سهل لم يزل معاديا ومبغضا له، وكارها لأمره لأنه كان من صنائع آل برمك".
وقد تبين بعد ذلك أن ما فعله المأمون، لم يكن نابعا من ولائه لأهل البيت (عليهم السلام)، ولم يكن صادقا في توليته لولاية العهد للإمام (عليه السلام)، وكان ميله للعلوين تصنعا وتظاهرا، فهل يعقل أن يتخلى المأمون عن الحكم، الذي قتل من أجله الآلاف من الجنود والقادة، كما قتل أخاه الأمين ثم يسلمه إلى غيره؟، فدوافع المأمون ووزيره فضل بن سهل، يمكن تحديدها في النقاط التالية:
أولا: تهدئة الأوضاع المضطربة، وإيقاف وإخماد ثورات العلويين في البلاد الإسلامية، وبالأخص في خراسان، فأراد المأمون من تقريب الإمام وتوليّه ولاية العهد، أن يستقطب أعوان الإمام وأنصاره، ويوقف نشاطهم العسكري بل يستميلهم إلى جانبه.
وقد جاء هذا المعنى في حديث معمّر بن خلّاد، حيث قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): قال لي المأمون: يا أبا الحسن، انظر بعض من تثق به توليه هذه البلدان التي قد فسدت علينا.
فقلت له: "تفي لي وأفي لك، فإني إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهي، ولا أعزل ولا أولي ولا أسِير، حتى يقمدني الله قبلك، فوالله إن الخلافة لشيء ما حدّثت به نفسي، ولقد كنت بالمدنية أتردد في طرقها على دابتي، وإن أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي، وإن كتبي لنافذة في الأمصار، وما زدتني في نعمة هي عليّ من ربي":
فقال المأمون: أفي لك.
ثانيا: الحصول على شريعة الحكم والخلافة، لأن المأمون كان يعرف أن الناس تعلم أن الإمام الرضا (عليه السلام)، وسائر الأئمة هم الذين نص عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي حقهم الإلهي، فإما أن يتنازل عن الخلافة له، وقد تظاهر بذلك ورفض الإمام (عليه السلام)، وإما أن يشاركه في الحكم فعرض عليه ولاية العهد وأجبره على القبول، وبما أن الإمام كان موضع قبول ورضى جميع المسلمين، فقبوله لولاية العهد يعني اعترافه بشرعية حكم المأمون.
ثالثا: منع الإمام من الدعوة إلى نفسه، لأن الإمام مسئول عن دعوة الأمة، للارتباط بالإمام الحق والمتجسد بإمامته، ومن هنا كان تفكير المأمون منصبا على منع الإمام من الدعوة إلى نفسه، والمتعارف عليه أن ولي العهد يدعو إلى الحاكم الفعلي ثم يدعو إلى نفسه، وقد عبّر المأمون عن هذا الدافع له بقوله: "قد كان هذا الرجل مستترا عنا يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا ... وقد خشينا إن تركناه على تلك الحال أن ينفتق علينا منه، ما لا نسده ويأتي علينا نه ما لا نطيقه".
رابعا: إبعاد الإمام (عليه السلام)، عن قواعده الشعبية، لتحجيم عمله أو تقليله، ومن خلال ذلك يمكن مراقبته الإمام (عليه السلام)، ومعرفة تحركاته ولقاءاته، فقد قام المأمون بتقريب هشام بن إبراهيم من نفسه وولاه، حجابة الإمام فكان ينمي الأخبار إليه، وكان ينفع من اتصال كثير من مواليه به.
خامسا: تشويه سمعة الإمام (عليه السلام)، وقد كشف (عليه السلام) هذه الحقيقة للمأمون، بقوله: " تريد بذالك أن يقول الناس، إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة؟".
نعم هكذا كانت دوافع وأهداف المأمون من تسليم الأمر إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، وهكذا كانت دوافع وزيره فضل ابن سهل "ذي الرياستين" حسب الظاهر، إلا أن وزيره كان يطمع بشيء آخر، وهو الخلافة لنفسه من بعد المأمون أو من بعد الإمام (عليه السلام)، وكان يكتم ويضمر ذلك، ولما تبين للمأمون ما يضمره، إحتال عليه حتى قتله غالب خال المأمون، في حمّام بسرخس، في شعبان وعمره ستون سنة، وذلك عند رجوعه من مرو قاصدا بغداد.

أسباب قبول الإمام بولاية العهد
لم يكن الإمام الرضا (عليه السلام)، في البداية راضيا بولاية العهد، وبعد الإصرار والضغط من قبل المأمون قبلها مكرها، وكان من أهم الأسباب لقبولها:
أولا: في خبر كان المأمون قد هدد الإمام (عليه السلام)، بالقتل إذا لم يقبل بولاية العهد، حيث قال له: "إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في سته: أحدهم جدك علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، ولا بد من قبولك ما أريده منك، فإني لا أجد محيصا عنه...".
وجاء هذا المعنى في جواب محمد بن عرفة حين سأل الإمام (عليه السلام)، يا ابن رسول الله، ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟.
فقال (عليه السلام): "ما حمل جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الدخول في الشورى".
وفي جواب الريان بن الصلت الأشعري القمي، عن سر قبول الإمام (عليه السلام) لولاية العهد، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فقلت له: يا ابن رسول الله إن الناس يقولون إنك قبلت ولاية العهد مع إضهارك الزهد في الدنيا.
فقال (عليه السلام): "قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم، أما علموا أن يوسف (عليه السلام) كان نبيا رسولا، فلما دفعته الضرورة إلى تولي خرائن العزيز، قال له: [اجْعَلْني عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفيظٌ عَليمٌ]، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار، بعد الإشراف على الهلاك على أني ما دخلت، في هذا الأمر إلا دخول خارج منه فإلى الله المشتكى وهو المستعان".
ثانيا: لقد أراد الإمام (عليه السلام)، بقبوله لولاية العهد، أن يحقن دماء أصحابه وأهل بيته، حيث قام المأمون تقربا للإمام (عليه السلام)، بإعلان العفو العام عن جميع قادة الثورات، منهم زيد أخوالإمام، وإبراهيم، وأردف العفو بتنصيب بعضهم ولاة في بعض الأمصار.
ثالثا: لقد أراد الإمام (عليه السلام)، بقبوله لولاية العهد، أن يستثمر الظروف لإحياء سنة جدّه، ولذا بعد قبوله لولاية العهد، رفع يده إلى السماء وقال (عليه السلام): " اللهم إنك قد نهيتني، عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة، وقد أشرف من قبل عبدالله المأمون، على القتل متى لا أقبل ولاية عهده، وقد أكرهت واضطررت كما اضطر يوسف، ودانيال (عليهم السلام)، إذ قبل كل واحد منهم الولاية من طاغية زمانه، اللهم لا عهد إلا عهدك ولا ولاية إلا من قِبَلِكَ، فوفقني لإقامة دينك وإحياء سنة نبيك، فإنك أنت المولى والنصير، ونعم المولى أنت ونعم النصير".
ثم قبل (عليه السلام) ولاية العهد من المأمون، وهو باك حزين على أن لا يولي أحدا، ولا يعزل أحدا، ولا يغير رسما ولا سُنّة، وأن يكون في الأمر مشيرا من بعيد...".
وقد اغتنم الإمام (عليه السلام) فرصة ولاية العهد، في عهده وأخذ يثقف الناس، ويربي العلماء والفقهاء، على سنة جدّه ومذهب أهل بيته (عليهم السلام)، بحيث أن المأمون نفسه إضطر أن يتحدث عن فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، واستخدم الخطباء، والشعراء، أئمة الجمهة، والولاة، والأمراء لذالك، وبهذا انتشرت مناقب الإمام وأهل البيت (عليهم السلام) في جميع الأمصار، وكان في طليعة الشعراء الثوريين، دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت (عليهم السلام).