الإمام الصادق (عليه السلام) وأصحاب المذاهب
الجمعة , 06/04/2021 - 11:40
الإمام الصادق (عليه السلام) وأصحاب المذاهب
الزمن الذي عاش فيه الإمام الصادق (عليه السلام) كان زمناً عصيباً من نواحٍ عدة، فرغم ما يقال من أنَّ سبب تأسيس الإمام (عليه السلام) لجامعته العظيمة بالمدينة المنورة هو انشغال الأمويين والعباسيين بالحروب والنزاع على السلطة والملك، إلا أنَّ هذا لا يعني إغفالهم الإمام (عليه السلام) وتركه لحاله، لأنَّه (عليه السلام) في نظرهم يمثل الخطر الأول على سلطانهم، والفترة التي تُرِكَ فيها الإمام (عليه السلام) لحاله ليست فترة طويلة، والملاحظ لحياة الإمام (عليه السلام) يتبين له ذلك بوضوح.

إن أحد الأسباب المهمة التي من أجلها نشر الإمام (عليه السلام) علومه، هو انتشار المذاهب المختلفة الكثيرة في زمنه، بالإضافة إلى كثرة وجود الملحدين والزنادقة والمشككين في الإسلام، وهذا كان أيضاً في زمن الإمام الباقر (عليه السلام)، ولكن ازداد الأمر بشكل واضح في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، فما كان من الإمام إلا أنْ تصدَّى لذلك بواسطة نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، فكان آية عظمى من آيات الله تعالى، وحجة على الناس أجمعين، وما استطاع أحد من العلماء أن يبطلوا هذه الآية الإلهية، أو أن يقفوا قِبال هذه الحجة الربانية. 

مذهب الإمام (عليه السلام) أولى بالاتباع
 ورغم ابتعاد الناس عن المذهب الحق وعن أئمة الهدى وإنكارهم فضلهم (عليهم السلام)، واتباعهم للسلطان الجائر الذي كان يحارب كل شيء يتصل بأهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ نور الإمامة والعصمة الذي ملأ الآفاق جعل هؤلاء الناس يعترفون بأنهم لا شيء، وأنهم عيال لذلك النور، وأنهم بأمس الحاجة لتلك المدرسة المحمدية، فهذه علية القوم ورؤوس علمائهم يتذللون أمام عظمة الإمام (عليه السلام) ويخضعون له بكل جوارحهم حيث لا يسعهم غير ذلك، وتشهد بذلك كتب القوم، نكتفي بذكر ثلاثة من أهم علمائهم:

أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي
 روى ابن عدي والذهبي والمزي عن حسن بن زياد أنه قال: "سمعت أبا حنيفة وسئل: من أفقه من رأيت؟ فقال: ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الصعاب، قال: فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليَّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لأبي جعفر، فسلمت، وأذن لي، فجلست، ثم التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أبو حنيفة، ثم أتبعها: قد أتانا، ثم قال: يا أبا حنيفة؟ هات من مسائلك، نسأل أبا عبد الله، وابتدأتُ أسأله، وكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة، ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس".
وقال عبد الحليم الجندي:"انقطع أبو حنيفة إلى مجالس الإمام طوال عامين قضاهما بالمدينة، وفيهما يقول (لولا العامان لهلك النعمان)، وكان لا يخاطب صاحب المجلس إلا بقوله (جعلت فداك يا ابن بنت رسول الله)".

مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي
من الثابت تاريخيا عند الجميع كون مالك من تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام)، ونقل الذهبي أنه: "لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس. قال مصعب: كان مالك يضمه(أي الحديث) إلى آخر"، وهذا يعني أن مالك كان من تلامذة الإمام (عليه السلام) من عهد الأمويين، وكان يستخدم التقية في نقل الحديث عن الإمام (عليه السلام). وكلماته في حق الإمام (عليه السلام) لا تقصر عما تقدم من أبي حنيفة، فقد نقل عنه قوله: "ما رأتْ عيني أفضل من جعفر بن محمد فضلا وعلما وورعا، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إما صائما، وإما قائما، وإما ذاكرا، وكان من عظماء البلاد وأكابر الزهاد الذين يخشون ربهم، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله، اخضر مرة واصفر أخرى".

سفيان الثوري
وهو من كبار علمائهم في ذلك الزمان، ومن تلامذة الإمام (عليه السلام)، روى الذهبي: قال الخليل بن أحمد: سمعت سفيان الثوري يقول: قدمت مكة فإذا أنا بأبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ بالأبطح، فقلت: يا ابن رسول الله، لم جعل الموقف من وراء الحرم؟ ولم يصير في المشعر الحرام؟ فقال: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه.فلما قصده الوافدون، أوقفهم بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم في الدخول، أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم، أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم، وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجابا بينه وبينهم، أمرهم بزيارة بيته على طهارة. قال: فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأنهم في ضيافة الله. ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه. قلت: جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهى خرق لا تنفع شيئا؟ قال: ذاك مثل رجل بينه وبين رجل جرم، فهو يتعلق به، ويطوف حوله رجاء أن يهب له ذلك، ذاك الجرم.
والمتأمل في هذه الرواية يرى أن الأسئلة التي وجهها سفيان الثوري للإمام (عليه السلام) تكشف عن اعتقاده بعلم الإمام (عليه السلام) الغزير والموروث من النبي (صلَّى الله عليه وآله)، خصوصا وأنه لم يعترض على جواب الإمام (عليه السلام)، وإلا فما هو الوجه في السؤال عن علل الأحكام ممن هو عالم عادي لا يتميز عن غيره، بل مثل هذه الأسئلة لا توجه إلا للمعصومين (عليهم السلام).
إن عدد تلامذة الإمام (عليه السلام) لا يحصون وقد اشتهر أنهم أربعة آلاف عالم، وعلى كل حال، إن بروز الإمام (عليه السلام) من بين أولئك العلماء وتفوقه عليهم في العلم والعمل، بل واستصغار أولئك العلماء لأنفسهم في حضرة الإمام (عليه السلام)(والمصاديق كثيرة لا يسع المجال لذكرها) لمن أقوى الأسباب التي تجعل من الواجب على المسلمين اتباع هذا الإمام (حتى عند من لا يعتقد بعصمته (عليه السلام).
وبدلا من جعل مذهب الإمام (عليه السلام) أحد المذاهب جعلوا مذهبه من المذاهب الشاذة، كما تجرأ ابن خلدون وهو يستعرض المذاهب فقال: "وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به، وبنوه على مذهبهم، في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة، ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلها أصول واهية". وهذا الكلام إنما هو نتيجة الحقد الدفين، ولا أدري لماذا كل هذا؟؟

موقف الإمام (عليه السلام) من المذاهب الفاسدة
إن سياسات الدولة آنذاك وحفاظا على مصالحها كانت تقتضي أن تضغط على أي شخصية تمثل خطراً عليها، ولم تكن شخصية الإمام الصادق (عليه السلام) هي الوحيدة التي تتعارض مع مصالح الدولة، ولكن كان (عليه السلام) يمثل الخطر الأكبر على الخلافة المغصوبة لأنه هو الأحق بها، والناس متعاطفون معه لشهرته وعلمه وقربه من النبي (صلَّى الله عليه وآله). لذلك فالإمام (عليه السلام) ولأجل حفظ دمه من الظالم كان يستخدم التقية، ليس في الأمور السياسية فقط، بل حتى في الأمور الدينية الفقهية، لأنه كان لها صلة بالسياسة، مما يعني أن الجهر بها قد يسبب خطراً على الإمام (عليه السلام) في بعض الأحيان.
ولكن هذا لا يعني أن يترك الإمام (عليه السلام) الحبل على الغارب، ويبقى أصحاب الآراء الفاسدة يلعبون بعقول الناس ويحرفون دين الله تعالى دون رادع من أحد.
فكان الإمام (عليه السلام) وهو الذي يقول: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم» قد اتخذ طريقا غير مباشر في التصدي لتلك الآراء والاجتهادات المنحرفة، وذلك من خلال بثه لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) بشكل عملي، وتوجيه أنظار الناس إليه من خلال مدرسته الكبرى، فإنَّ أول رسالة أرسلها الإمام (عليه السلام) إلى الناس هي أن العلم الصحيح -علم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)- لا يوجد إلا هنا، ولا يمكن الوصول إليه إلا من خلال هذه المدرسة، وكل علم يؤخذ من غيرها فهو باطل وزخرف ليس له قيمة ولا اعتبار.
ولذلك نرى كثيراً من العلماء والفقهاء في ذلك الوقت ومن مختلف المذاهب والمعتقدات يفتخرون بانتسابهم إلى تلك الجامعة، كما كان يفتخر الصحابي أنه أخذ عن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).

الدعوة لاتّباع أهل البيت (عليهم السلام)
 وقد كانت هناك بعض التصريحات للإمام (عليه السلام) في الدعوة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)كقوله (عليه السلام) لفضيل: «تجلسون وتحدثون؟ قلت نعم، قال: تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا. رحم الله من أحيى أمرنا، يا فضيل: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج عن عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر».
ومن ضمن أمرهم (عليهم السلام) هو الجانب الفقهي والأحكام الشرعية، وهذه الكلمة الصريحة من الإمام (عليه السلام)، وإن كان ظاهرها هو الدعوة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فحسب، دون التعرض للمذاهب الأخرى، إلا أن باطنها يدل على ذلك أيضاً، فإن إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) هو إماتة لأمر غيرهم ممن يعارضونهم سواء في العقيدة أو في الفقه.
وقوله (عليه السلام) في حديث آخر: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحديث رسول الله قول الله (عزّ وجلّ)».
ظاهره أن الإمام (عليه السلام) يريد فقط أن يُطَمْئِن من يأخذ عنه أن ما يحدثه هو حديث النبي (صلَّى الله عليه وآله) ولم يخترعه من عنده، أي أنه (عليه السلام) يريد أن يدفع عن نفسه تهمة الوضع، ولكن هذا التفسير غير صحيح على إطلاقه، لأنَّ الإمام (عليه السلام) كان معروفاً ومشهوراً بالصدق والورع عند العام والخاص، ولم يكن أحد يحتمل في الإمام (عليه السلام) هذا الاحتمال البعيد.
إذن هناك أمر آخر يريد الإمام (عليه السلام) أن يبينه للناس، وهو أن غيري من العلماء الذين يفتون الناس، متهمون في آرائهم وأحاديثهم، وأن الطريق إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) من غير أهل البيت (عليهم السلام) طريق غير نظيف، فكل ما يتفوه به أحد من الفقهاء الآخرين وهو معارض لفقه الإمام (عليه السلام) فهو مكذوب على النبي (صلَّى الله عليه وآله)، لأنَّ علم النبي (صلَّى الله عليه وآله) عند الإمام (عليه السلام).
وعن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إن عند كل بدعة تكون من بعدي يُكادُ بها الإيمانُ ولياً من أهل بيتي موكلا به يذب عنه، ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره، ويرد كيد الكائدين، يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله».
ومن مواقفه أيضا هو أمره لبعض تلامذته المعروفين بالتشيع كزرارة أن يجلسوا في المسجد ويفتوا الناس.
 

المصدر :
مجلة رسالة القلم - الشيخ عزيز حسن الخضران