من "مرو" الخلافة إلى طوس الشهادة
السبت , 06/05/2021 - 14:00

المأمون العباسي ليس بمأمون
المأمون الذي قد سعى جاهدا لتكون صورته حسنة، ومقدسة، وليتصف بأنه خليفة عاقل، سقط في النهاية وانجر إلى الفساد، ووسمت حياته بالظلم والقهر كأسلافه الخلفاء العباسيين، فما إن مضت على تصدي الإمام الرضا (عليه السلام) لولاية العهد سنتين، حتى تنكر له المأمون، وفرض عليه الرقابة الشديدة، والإقامة الجبرية في بيته، ومنع العلماء وخواص شعيته من التردد إليه، وما ذلك إلا لأنه لم يحصل على ما أراد من توليه العهد، بل رأى أن الإمام قد ترسخت مكانته، وازدادت شهرته، وارتفعت منزلته في نفوس المسلمين، حينما أسندت إليه ولاية العهد، لأنهم رأوا ابتعاده عن مغريات الدنيا، ومعايشته هموم الناس وآلامهم، وعطفه على الضعفاء من جانب، وسعة علومه وإحاطته بما تحتاج إليه الأمة في جميع شؤونها، وشدة تقواه ومعالي أخلاقه، والسير على سُنّة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وآبائه الطاهرين (عليهم السلام) من جانب آخر، وقد تمثل نموذج من ذلك في كيفية ذهابه إلى صلاة العيد، التي دعاه المأمون لإقامتها حيث خرج الإمام (عليه السلام) للصلاة، كما كان يخرج جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين (عليه السلام) حافيا مكبرا، وقد امتلأ خشوعا وتواضعا لربه، ولما أحس المأمون بخطورة الأمر، أرجع الإمام ومنعه من إقامة الصلاة.
وعليه فقد ابتلى الإمام ابتلاء شديدا في تصدي لولاية العهد، فقد ضيّق عليه المأمون غاية الضيق، بحيث سئم الحياة وأخذ يدعو الله تعالى، أن يفرج عنه في هذه الدنيا قائلا: "اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت، فعجل لي الساعة"، ولم يزل مغموما مكروبا إلى أن قبض صلوات الله عليه.
وما اكتفى المأمون بالتضييق على الإمام الرضا (عليه السلام)، بل كان يترصد الفرصة المناسبة ليقضي عليه، كما قضى من قبل على وزيره فضل بن سهل "ذي الرياستين"، في حمّام مدينة سرخس لما أحس بالخطر منه على خلافته، وهذا دأب كل حكّام الجور من بني أمية وبني العباس، حيث لا إيمان لهم ولا يؤمن مكرهم وكيدهم، وأن لقّبوا أنفسهم بألقاب عظيمة كالأمين والمأمون وغيرها من الألقاب، فالمأمون العباسي لم يكن مأمونا، ولذا لم يتمكن من إضمار ما في نفسه من مكر على الإمام (عليه السلام)، بل أخذ يحتال ويغتنم الفرص ليتخلص من الإمام، ولو اقتضى ذلك أن يقتله بيده الغادرة، وفي نهاية المطاف عاد المأمون ليختار نفس الأسلوب، الذي سلكه أسلافه من قبله وهو قتل الإمام (عليه السلام).

المأمون في رجوعه إلى بغداد
ذكر المؤرخون والرواة أنه لما استتب الأمر والحكم للمأمون في خراسان، قرر الخروج منها قاصدا بغداد ليتخذها عاصمة جديدة لخلافته.
وكان يقول للإمام (عليه السلام): سندخل بغداد إن شاء الله نفعل كذا وكذا.
فقال (عليه السلام) له: "تدخل أنت بغداد...، وما أنا وبغداد، لا أرى بغداد ولا تراني".
خرج المأمون ومن معه من "مرو" قاصدا بغداد، وكان معهم وزيره فضل بن سهل وولي عهده الإمام الرضا (عليه السلام)، فلما وصلوا إلى سرخس، أمر المأمون بقتل فضل بن سهل لما تبين له أنه يطمع بالخلافة، فقتل في حمّام بسرخس على يد خال المأمون وعمره ستون سنة.  
لقد ذكر أبو علي الحسين بن أحمد السلامي، في كتابه الذي صنفه في أخبار خراسان: أن المأمون لما ندم من ولاية عهد الرضا، بإشارة الفضل بن سهل خرج من مرو منصرفا إلى العراق، واحتال على الفضل بن سهل حتى قتله غالبٌ خال المأمون، في حمام سرخس بمغافضة في شعبان سنة ثلاث ومائتين، واحتال على علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
والمأمون في سرخس وضع الإمام (عليه السلام)، في الإقامة الجبرية في محل إقامته وأراد أن يقتله كما قتل من قبل وزيره "فضل بن سهل"، ولكنه فشل وخاب سعيه، واستمرت قافلة الإمام (عليه السلام) حتى وصلت إلى طوس، قرية "سناباد نوقان" ونزلوا في دار حُميد بن قحطبة الطائي، والتي فيها قبر هارون الرشيد وعليه قبّة.
وفي هذا المكان قرر المأمون أن يقتل الإمام (عليه السلام)، ويتخلص منه وقد فعلها.

مؤامرة المأمون لقتل الرضا (عليه السلام)
لقد روى أبو الصلت الهروي، أن الرضا (عليه السلام) قال له: " غدا أدخل على هذا الفاجر، فإن أنا خرجت مكشوف الرأس فتكلم، أكلمك، وإن خرجت وأنا مغطي الرأس [برداي] فلا تكلمني".
قال أبو الصلت: فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه، وجلس فجعل في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين فلبس نعله ورداءه، وقام ومشى وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون، وبين يديه طبق عليه عنب، وأطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقى بعضه،فلما أبصر الرضا (عليه السلام) وثب إليه فعانقه، وقبل ما بين عينيه، وأجلسه معه، ثم ناوله العنقود.
وقال: يا ابن رسول الله، ما رأيت عنبا أحسن من هذا.
فقال له الرضا (عليه السلام): "ربما كان عنبا حسنا يكون من الجنة".
فقال له [المأمون]: كل منه.
فقال له الرضا (عليه السلام): "تعفيني عنه".
فقال [المأمون]: لا بد من ذلك، وما يمنعك منه، لعلك تتهمنا بشيء.
فتناول العنقود فأكل منه، ثم ناوله فأكل منه الرضا (عليه السلام) ثلاث حبات، ثم رمى به، وقام.
فقال المأمون: إلى أين؟
فقال (عليه السلام): "إلى حيث وجّهتني".
واعتل الإمام الرضا (عليه السلام) من ذلك السم، فينقل لنا ياسر الخادم: أن المأمون جاءه حافيا وحاسرا، يضرب على رأسه ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي وتسيل الدموع على خدّيه، فوقف على الرضا (عليه السلام) وقد أفاق.
فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم، على فقدي لك وفراقي إياك، أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك.

شهادة الرضا (عليه السلام) وتجهيزه ودفنه
ذكر معظم المؤرخين والرواة، أن المأمون هو الذي أمر بدس السم للإمام في العنب، وقدمه إلى الإمام وأمره أن يأكل منه، وفي رواية أخرى أمر المأمون غلامة عبدالله بن بشير، أن يدس السم في الرمان، بأظافره المسموة ثم قدمه إلى الإمام، وبذلك استشهد الإمام في طوس، في قرية "سناباد نوقان" في آخر شهر صفر 203 من الهجرة كما عليه الطبرسي في المجلد الثاني من كتابه: "إعلام الوردي" والعصفري البصري في تاريخ خليفة، وهوالمشهور.
واكتفى الكليني في المجلد الأول من أصول الكافي، والشيخ المفيد في المجلد الثاني من الإرشاد بشهر صفر بطوس.
وذكر المسعودي في التنبيه والإشراف: أن شهادته كانت في أوائل شهر صفر.
وفي الخبر أن الإمام الجواد (عليه السلام)، جاء من المدينة بأمر الله سبحانه، وحضر جنازة أبيه وغسّله، وكفّنه، وصلّى عليه، ولم يعلم بذلك المأمون ولا أعوانه، فيروى لنا الخبر أبو الصلت الهروي فيقول: "...وخرج الرضا (عليه السلام)، مغطي الرأس فلم أكلمه، حتى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب فغلق، ثم نام على فراشه، ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليّ شاب، حسن الوجه، وقطط الشعر، وأشبه الناس بالرضا (عليه السلام)، فبادرت إليه وقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟
فقال: "الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت، هو الذي ادخلني الدار والباب مغلق".
فقلت له: ومن أنت؟
فقال لي: "أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت، أنا محمد بن علي".
ثم مضى نحو أبيه (عليه السلام)، فدخل وأمرني بالدخول معه، فلما نظر إليه الرضا (عليه السلام)، وثب إليه فعانقه، وضمه إلى صدره، وقبل ما بين عينيه، ثم سحبه سحبا في فراشه، وأكب عليه محمد بن علي (عليه السلام)، يقبله ويساره بشيء لم أفهمه... .
ثم قال: "يا أبا الصلت، قم ائتني بالمغتسل والماء من الخزانة".
فقلت: ما في الخزانة مغتسل ولا ماء.
فقال لي (عليه السلام): "انته إلى ما آمرك به".
فدخلت الخزانة إذا فيها مغتسل وماء، فأخرجته وشمرت ثيابي لأغسله معه.
فقال لي (عليه السلام): "تَنَحَّ يا أبا الصلت، فإن لي من يعنينني غيرك"، فغسله.
ثم قال لي (عليه السلام): "ادخل الخزانة فأخرج لي السفط الذي فيه كفنه وحنوطه".
فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط، فحملته إليه فكفنه، وصلى عليه.
ثم قال لي (عليه السلام): "ائتني بالتابوت".
فقلت: أمضي إلى النجار حتى يصلح التابوت.
قال (عليه السلام): " قم فإن في الخزانة تابوتا".
فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط، فأتيته به فأخذ الرضا (عليه السلام)، بعد ما صلّى عليه، فوضعه في التابوت، وصفّ قدميه، وصلّى ركعتين.