طريقه (عليه السلام) إلی خراسان
السبت , 06/05/2021 - 13:01

لما توفي هارون الرشيد، في جمادي الأولى سنة 193 هـ، في خراسان وكان معه الفضل بن الربيع، فدفنه في فرية "سناباد نوقان" التابعة لطوس، في بستان دار حُميد بن قحطبة الطائي، ثم أخذ البيعة للأمين ممن حضرمن العباسيين، ورجع إلى بغداد.
وكان المأون في "مرو"، فكتب إلى الأمين بالطاعة انقيادا لعهد أبيه، ولكن الأمين خلعه من ولاية العهد، فشنت الحرب بينهما في أطراف مدينة "ري"، وكانت النتيجة إنتصار جيش المأمون بقيادة طاهرذي اليمينين على جيش أخيه، ثم قتل الأمين في بغداد ونصب رأسه على دارالمأمون بمرو، واستلم عبدالله المأمون زمام الحكم بعد حرب دامية، استمرت خمس سنين (193 _ 198 هـ)، ولما فرغ المأمون من حربه ضد أخيه الأمين، واستولى على الخلافة، كان أول ما قام في سنة 200هـ، أن كتب المأمون إلى الرضا (عليه السلام)، يدعوه للقدوم إلى خراسان، ليعرض عليه ولاية العهد، فاعتل الإمام بعلل كثيرة، واستمر المأمون يكتابه ويراسله، حتى علم الإمام (عليه السلام)، أنه لا يكف عنه، فاستجاب له.

إشخاص الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة
لما أرادوا إشخاص الإمام الرضا (عليه السلام)، من المدينة إلى خراسان دخل الإمام (عليه السلام)، مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، فودعه مرارا وهو يبكي، ثم جمع عاليه وأمرهم بالبكاء عليه، وفرّق فيهم اثني عشر ألف دينارا، واستحفظهم بالله وبرسوله، ثم أخذ بيد ابنه الإمام الجواد (عليه السلام)، وأمر جميع أهله ووكلائه، بالسمع والطاعة له وترك مخالفته، وعرّفهم أنه الإمام المفترض الطاعة من بعده.
وكل ما قام به الإمام (عليه السلام)، من البكاء والأمر بالبكاء عليه، والوداع مع الأهل والأقرباء، والوصية، والسفر لوحده، حيث لم يأخذ الأهل والأولاد، أراد أن يعلم الناس أن هذا السفر ليس باختياره، بل أجبر عليه، وأن هذا السفر سفر لا رجوع فيه، وسوف يموت في الغربة، وقد صرّح الأمام بذلك في جواب أحد أصحابه، وهو مخوّل السجستاني، عندما هنأه بولاية العهد. 
فعَن مخوّل السجستاني، قال: لما ورد البريد بإشخاص الرضا (عليه السلام) إلى خراسان، كنت أنا بالمدينة، فدخل المسجد ليودع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فودعه مرارا كل ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد السلام وهنأته.
فقال (عليه السلام): "زرني فإني أخرج من جوار جدّي (عليه السلام)، فأموت في غربة، وأدفن في جنب هارون".
فقال: فخرجت متبعا لطريقه حتى مات بطوس، ودفن إلى جنب هارون".
وأخيرا تهيأ الإمام (عليه السلام)، للسفر إلى "مرو" عاصمة خلافة المأمون، وكان معه أبوالصّلت عبدالسلام بن صالح الهروي، حيث أمره المأمون ليصحب الرضا (عليه السلام) في سفره، وقد أمر المأمون رجاء بن أبي ضحاك (ابن عم الفضل بن سهل)، ومعه الجلودي، أن يسيروا بالإمام عن طريق الكوفة وقم، لأن في هاتين المدينتين شعية وموالين له (عليه السلام).
وإن قيل: إنه سار الإمام (عليه السلام)، من المدينة إلى البصرة، ثم إلى بغداد، ثم إلى قم، ومنها إلى خراسان، ولكن هذين القولين لا يستندان إلى أخبار معتبره.
والقول المستند والمشهور أنه ساروا بالإمام (عليه السلام)، من المدينة عن طريق البصرة، حيث نزلوا في قرية "النّباج" قرب البصرة، ومنها دخلوا الأهواز وأقاموا فيها أياما، ثم خرجوا منها إلى جهته إقليم قارس، وفي الطريق استراحوا في قنطرة "أربق" قرب "أيذه"، ومنها إلى "أرجان"، ثم إلى إقليم فارس والصحراء الكبرى "لوت"، بمجاورة مدن نائين، ويزد، وطبس، ثم دخلوا إلى إقليم خراسان بدء بمدينة نيشابور، ومرورا برباط سعد، ثم إلى الطوس، ثم إلى قرية "سناباد نوقان"، ثم إلى مدينة سرخس، حتى حطوا رحالهم في مدينة "مرو"، عاصمة خلافة المأمون العباسي آنذاك.
ولذا يمكن تقسيم سفر الإمام الرضا (عليه السلام)، إلى خمسة أقسام جغرافية: من المدينة إلى البصرة والأهواز، ومنهما إلى إقليم فارس، ومن فارس إلى صحراء الكبرى "لوت"، بمجاورة مدينة يزد وطبس، ومنها إلى خراسان وصولا إلى "مرو".
وفي مسير هجرة الإمام (عليه السلام)، وإشخاصه من "المدينة"، إلى "مرو" ومروره على بعض المدن والقرى، وقعت حوادث ووردت أخبار نكتفي بذكر أهمّها:

الرضا (عليه السلام) في "النّباج" قرب البصرة
عن أبي حبيب النّباجي، أنه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في المنام وقد وافى "النّباج"، ونزل بها في المسجد الذي ينزله الحاج في كل سنة، وكأني مضيت إليه، وسلّمت عليه، ووقفت بين يديه، ووجدت عنده طبقا من خوص نخل المدينة، فيه تمر صيحاني فكأنه قبض قبضة من ذلك التمر، فناولني فعددته فكان ثماني عشرة تمرة، فتأولت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة، فلما كان بعد عشرين يوما، كنت في أرض بين يدي تعمر للزراعة، حتى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (صلى الله عليه وآله)، وتحته حصير مثل ما كان تحته، وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه فردّ السلام عليّ، واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقلت له: زدني منه يا ابن رسول الله
فقال (عليه السلام): "لو زادك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزدناك".

الإمام الرضا (عليه السلام) في الأهواز
عن أبي هاشم الجعفري، قال: لما بعث المأمون رجاء بن أبي الضحاك، لحمل أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، على طريق الأهواز، لم يمر على طريق الكوفة، فبقى به أهلها وكنت بالشرقي من آبيدج "ايذه" موضع، فلما سمعت به سرت إليه بالأهواز وانتسبت له، وكان أول لقائي له، وكان مريضا، وكان زمن القيظ.
فقال (عليه السلام): "ابغني طبيبا".
فأتيته بطبيب، فنعت له بقلة، فقال الطبيب، لا أعرف أحدا على وجه الأرض يعرف اسمها غيرك، فمن أين عرفتها ألا إنها ليست في هذا الأوان، ولا هذا الزمان.
قال له: فابغ لي قصب السكر.
فقال الطبيب: وهذه أدهى من الأولى، ما هذا بزمان قصب السكر.
فقال الرضا (عليه السلام): "هما في أرضكم هذه، وزمانكم هذا، وهذا معك فامضيا إلى شاذروان الماء، واعبراه فيرفع لكم جوخان [أي بيدر= محل الشعير أو الحنطة]، فاقصداه فستجدان رجلا هناك أسود في جوخانه فقولا له: أين منبت القصب السكر؟ وأين منابت الحشيشة الفلانيّة؟.
ثم قال لي (عليه السلام): "يا أبا هاشم دونك القوم".
فقمت وإذا الجوخان والرجل الأسود، قال: فسأناه فأومأ إلى ظهره، فإذا قصب السكر، فأخذنا منه حاجتنا ورجعنا إلى الجوخان، فلم نر صاحبه فيه فرجعنا إلى الرضا (عليه السلام)، فحمد الله.
فقال لي الطبيب: ابن من هذا؟
قلت: ابن سيد الأنبياء.
قال: فعنده من أقاليد النبوه شيء؟
قلت: نعم. ولقد شهدت بعضها، وليس بنبي.
قال: وصي نبي؟
قلت: أما هذا، فنعم.
فبلغ ذلك رجاء بن أبي الضحاك فقال لأصحابه: لئن أقام بعد هذا ليمدن إليه الرقاب، فارتحل به (عليه السلام) من الأهواز، وتقول المصادر التاريخية أن سبب مرض الإمام (عليه السلام)، هو طقس الأهواز الحار والرطب جدا.

مسجد الرضا (عليه السلام) في الأهواز
قي مكان إقامة الإمام الرضا (عليه السلام)، في الأهواز بنى مسجد بإسمه، بعد مضيه أو في وقت حضوره وبأمر منه (عليه السلام)، كما ذكره الحمودي في معجم البلدان، عند ذكره لسوق الأهواز: "وبإزائه مسجد لعلي بن موسى (رضى الله عنه)، بناه في إجتيازه به وهو مقبل من المدينة يريد خراسان".
والدليل على ذلك أن في عصرنا هذا، يوجد مسجد ينسب إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، في الأهواز وعلى ضفاف نهر كارون، وبجانب الغربي من مقام علي بن مهزيار الأهوازي، حيث ينقل أنه أوصى علي بن مهزيار، أن يدفن بجوار هذا المسجد المنتسب إلى الإمام (عليه السلام)، وهذا المسجد والمرقد يعتبران من أهم المزارات لمدينة أهواز، حيث يقصدهما القريب والبعيد.
وعلي بن مهزيار الدورقي الأهوازي الهنديجاني، هو من كبار الفقهاء والمتحدثين في القرن الثالث، وكان من أصحاب الأئمة الأربعة، " الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام) ".
وبعد شفاء الإمام (عليه السلام) من مرضه، تحرك من الأهواز وتابع طريقه في محافظة خوزستان، حتى مر من فوق جسر "أربق"، التي تسمى بالفارسية "أربك"، وهي منطقة قرب مدينة "إيذه" و"رامهرمز"، ثم إلى مدينة "أرجان"، التي تعرف الآن بإسم "بهبهان".

الرضا (عليه السلام) في "أربق" و"أرجان"
عن جعفر بن محمد النوفلي، قال: أتيت الرضا (عليه السلام) وهو بقنطرة أربق.
فسلّمت عليه، ثم جلست وقلت: جعلت فداك إن أناسا يزعمون أن أباك (عليه السلام) حيّ.
فقال (عليه السلام): "كذبوا لعنهم الله، لو كان حيا ما قسم ميراثه، ولا نكح نساؤه، ولكنه والله ذاق الموت، كما ذاقه علي بن أبي طالب (عليه السلام)".
قال: فقلت له: ما تأمني؟.
قال (عليه السلام): "عليك بابني محمد من بعدي، وأما أنا فإني ذاهب في وجه لا أرجع، بورك قبر بطوس وقبران ببغداد".
قال: قلت: جعلت فداك، عرفنا واحدا فما الثاني؟.
قال (عليه السلام): "ستعرفونه".
ثم قال (عليه السلام): "قبري وقبر هارون هكذا"، وضم إصبعيه.
وخرج الإمام (عليه السلام)، ومن معه من منطقة جسر "أربق"، حتي وصلوا إلى مدينة "أرجان"، التي تعرف الآن بإسم "بهبهان"، فاستراحوا فيها قليلا، حيث تم من بعدها من قبل محبيه، إنشاء موضع قدم فيها للإمام الرضا (عليه السلام)، لازال موجودا إلى يومنا هذا يقصده الزوار.
ومنها دخل الأمام (عليه السلام) إلى إقليم فارس.

الرضا (عليه السلام) في إقليم فارس
خرجت قافلة الرضا (عليه السلام)، من إقليم خوزستان، ومدينة "أرجان" أو "بهبهان"، حتى وردت إقليم فارس، ولكن لم تدخل مدينة "شيراز" مركز الإقليم، وتوجهت نحو مدينة اصطخر التاريخية، وتوابعها كمدينة "أبرقو"، التي تسمى بالفارسية "أبركوه"، حيث تقع بين شيراز ومدينة يزد.
وفي مدينة "أبرقو" هناك موضع قدم للإمام الرضا (عليه السلام) لازال موجود.
وكانت آنذاك مدينة "أبرقو" تابعة لمحافظة فارس واليوم هي من مدن محافظة يزد.
واستمرت قافلة الرضا (عليه السلام)، في مسيرها بين "فارس" و"يزد"، حتى دخلت إلى بداية طريق الصحراوي بين يزد وخراسان.

قافلة الرضا (عليه السلام) في صحراء يزد وطبس
دخلت قافلة الرضا (عليه السلام)، إلى الإقليم السابع الصحراوي الخالي من السكنة، فمرت بصحراء الكبرى "لوت"، بين يزد وخراسان بمجاورة مدن نائين ويزد، وطبس، ولم تنقل لنا المصادر المعتبرة عما جرى على قافلة الإمام (عليه السلام)، في هذا المسير لأنها لم تدخل تلك المدن المشهورة، ولكن ذكرت بعض الكتب التاريخية الحديثة، آثارا لأقدام الرضا (عليه السلام)، في مدينة نائين وضواحيها كقرية "بافران" أو "بادران"، وآثار لقدمه المبارك (عليه السلام)، في قرى من ضواحي مدينة "يزد"، كقرية "خرانق" أو مشهدك وقرية "ده شير، فراشاه" لازالت موجودة ليومنا هذا.
كما أن هناك مسجد "فرط" التاريخي، في مدينة "يزد" يقال أن الإمام الرضا (عليه السلام) صلّى فيه.
وهكذا استمر الإمام (عليه السلام) ومن معه، بالمسير في تلك الصحراء الكبرى حتى وصلوا إلى إقليم خراسان الكبرى، وخلوا مدينة نيشابور المشهورة.

الإمام الرضا (عليه السلام) في نيشابور
لعلّها أول مدينة مشهورة من مدن خراسان الكبرى، التي دخلتها قافلة الإمام الرضا (عليه السلام) هي مدينة "نيشابور"، والإمام (عليه السلام) حين مروره على هذه المدينة، ترك آثارا بعضها خالدة إلى يومنا هذا نذكرالمهم منها، ولكن قبلها لابد من التعرف بهذه المدينة، وأهلها، ومعالمها الدينية، وبعض أعلامها المشهورة.
تبعد مدينة نيشابور عن مشهد مئة وعشرين كيلومترا تقريبا، وهي مشهورة بحجر الفيروزج، ويستخرج من جبالها أجود أنواع الحجر الفيروزج، الذي ورد استحباب التختم به، كما تجد فيها الكثير من المعالم الدينية على مر العصور.
وقد اشتهرت نيشابور بالعلماء، والعرفاء، والأدباء، وقد انتشروا في العالم الإسلامي، فخدموا الشريعة الإسلامية، ومراقد بعضهم معروفة في نيشابور، كمرقد العالم فضل بن شاذان من أصحاب الرضا (عليه السلام)، ومرقد الفيلسوف والشاعر عمر الخيام، ومرقد العارف العطار النيشابوري، وغيرهم.
وأهل هذه المدينة معروفون بولائهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ولذا تجد فيها وفي ضواحيها بعض المزارات المشهورة، كمزار "قدمگاه" وهو مقام ينسب إلى أقدام الإمام الرضا (عليه السلام)، حين مروره على هذه المدينة، ومزار محمد بن الصادق (عليه السلام)، المشهور بإمام زاده محروق، ومزار "بي بي شطيطة".

حكاية "بي بي شطيطة"
بي بي شطيطة النيشابورية، هي تلك المرأة المؤمنة المخلصة، التي أرسلت درهما وشقة خام من غزل يدها، لإمامها الكاظم (عليه السلام)، فقبل منها، وسلم عليها، وأرسل لها أربعين درهما، وشقة من أكفانه، وأخبرها (عليه السلام) بوفتها بعد تسعة عشر يوما من وصول الشقة والدراهم، وسيخضر تشييعها ويصلي عليها بنفسه، فلما توفيت شطيطة حضر الإمام تجهيزها، في نيشابور وصلى عليها، وقال لأبي جعفر محمد بن علي النيشابوري: "عرّف أصحابك، وأقرئهم من السلام، وقل لهم: إني ومن يجري مجراي من الأمة، لا بد لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كنتم، فاتقوا الله في أنفسكم".

الرضا (عليه السلام) في بيت "پسنده" في نيشابور
عن محمد بن إسحاق النيشابوري قال: سمعت جدّتي خديجة بنت حمدان بن پسنده، قالت: لما دخل الرضا (عليه السلام) نيشابور، نزل محلة الغربي ناحية تعرف ب"لاش آباد" في دار جدّتي "پسنده"، وإنما سمي "پسنده" لأن الرضا (عليه السلام)، ارتضاه من بين الناس، و"پسنده" هي كلمة فارسية معناها: مرضيّ، فلما نزل (عليه السلام) دارنا، زرع لوزة في جانب من جوانب الدار، فنبتت وصارت شجرة وأثمرت في سنة، فعلم الناس بذلك فكانوا يستشفون بلوز تلك الشجرة، فمن أصابته علة تبرك بالتناول من ذلك اللوز مستشفيا به فعوفي، ومن أصابه رمد جعل ذلك اللوز على عينة فعوفي، وكانت الحامل إذا عسر عليها ولادتها، تناولت من ذلك اللوز فتخف عليها الولادة، وتضع من ساعتها، وكان إذا أخذ دابة من الدواب القولنج، أخذ من قضبان تلك الشجرة فأمر على بطنها، فتعافى ويذهب عنها ريح القولنج ببركة الرضا (عليه السلام)، فمضت الأيام على تلك الشجرة ويبست، فجاء جدّي حمدان وقطع أغصانها فعمي، وجاء ابن لحمدان يقال له أبو عمرو، فقطع تلك الشجرة من وجه الأرض، فذهب ماله كله بباب فارس، وكان مبلغه سبعين ألف درهم إلى ثمانين ألف درهم، ولم يبق له شيء، وكان لأبي عمرو هذان ابنان كاتبان، وكانا يكتبان لأبي الحسن محمد بن إبراهيم سمجور، يقال لأحدهما أبو القاسم، وللآخر أبو صادق، فأرادا عمارة تلك الدار، وأنفقا عليها عشرين ألف درهم وقلعا الباقي من أصل تلك الشجرة، وهما لا يعلمان ما يتولد عليهما من ذلك، فولّى أحدهما ضياعا لأمير خراسان، فرد إلى نيشابور في محمل قد اسودت رجله اليمنى، فشرحت رجله فمات من تلك العلة بعد شهر، وأما الآخر وهو الأكبر فإنه كان في ديوان السطان بنيشابور، يكتب كتابا وعلى رأسه قوم من الكتّاب وقوف فقال واحد منهم: دفع الله عين السوء عن كاتب هذا الخط، فارتعشت يده من ساعته، وسقط القلم من يده، وخرجت بيده بثرة، ورجع إلى منزله، فدخل إليه أبوالعباس الكاتب مع جماعة فقالوا له: هذا الذي أصابك من الحرارة فيجب أن تفتصد، فافتصد ذلك اليوم فعادوا إليه من الغد، وقالوا له يجب أن تفتصد اليوم أيضا، ففعل فاسودت يده، فشرحت ومات من ذلك، وكان موتهما جميعا في أقل من سنة.

حديث سلسلة الذّهب في نيشابور
عن إسحاق بن راهويه، قال: لما وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيشابور، وأراد أن يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث.
فقالوا له: يا ابن رسول الله، ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيد منك؟.
وقد كان قعد في العمارية "الهودج" فأطلع رأسه، وقال (عليه السلام): "سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سمعت جبرئيل (عليه السلام) يقول: سمعت الله جل وعز يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي".
فلما مرت الراحلة نادانا "بشروطها، وأنا من شروطها".
وفي بيان وشرح هذه العبارة قال الصدوق أي: "ومن شروطها الإقرار للرضا (عليه السلام)، بأنه إمام من قبل الله عزوجل على العباد مفترض الطاعة عليهم".

قدمگاه وعين "كهلان" وحمّام الرضا (عليه السلام)
هناك مزار بإسم "قدمگاه"، في ناحية تبعد من نيشابور حوالي خمسة وعشرون كيلومترا، وهو مقام فيه صخرة تنسب إلى أثر أقدام الإمام الرضا (عليه السلام)، حين مروره على هذه المدينة، وفيه "عين" اغتسل منها الإمام (عليه السلام)، وهي العين المعروفة بعين "كهلان"، يتبركون الناس بماء تلك العين وبالصخرة، ويصلّون في هذا المقام، وينقل لنا الشيخ الصدوق حكاية هذا المكان المتبرك، في كتابه عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ولكن من دون إسناد. 
فيقول: يقال إن الرضا (عليه السلام)، لما دخل نيشابور نزل في محلة يقال له "الفرويني"، فيها حمّام وهو الحمّام المعروف اليوم بحمّام الرضا (عليه السلام)، وكانت هناك عين قد قل ماؤها، فأقام عليها من أخرج ماءها حتى توفر، وكثر، واتخذ خارج الدرب حوضا ينزل إليه بالمراقي، إلى هذه العين فدخله الرضا (عليه السلام)، واغتسل فيه ثم خرج منه فصلّى على ظهره، والناس ينتابون ذلك الحوض ويغتسلون فيه، ويشربون منه التماسا للبركة، ويصلّون على ظهره، ويدعون الله عزوجل في حوائجهم فتقضى لهم، وهي العين المعروفة بعين "كهلان" يقصدها الناس إلى يومنا هذا.
وخرج الإمام الرضا (عليه السلام) ومن معه، من محلة "الفرويني" من نيشابور ومر على "رباط سعد"، التي تقع بين نيشابور وطوس، وفي هذا المكان ظهرت كرامة للإمام (عليه السلام)، في علاج  أحد المرضى.

الإمام الرضا (عليه السلام) في "رباط سعد"
عن عبدالله بن عبدالرحمن المعروف بالصفواني، قال: خرجت قافلة من خراسان إلى كرمان، فقطع اللصوص عليهم الطريق، وأخذوا منهم رجلا اتهموه بكثرة المال، فبقي في أيديهم مدة يعذبونة ليفتدي منهم نفسه، وأقاموه في الثلج فشدوه وملئوا فاه من ذلك الثلج، فرحمته امرأة من نسائهم فأطلقته وهرب فانفسد فمه ولسانه، حتى لم يقدر على الكلام، ثم انصرف إلى خراسان وسمع بخبر علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وأنه بنيشابور، فرأى فيما رأى النائم كان قائلا يقول له: إن ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد ورد خراسان فسله عن علتك، فربما يعلمك دواء ما تنتفع به. 
قال: فرأيت كأني قد قصدته (عليه السلام)، وشكوت إليه ما كنت دفعت إليه، وأخبرته بعلتي.
فقال (عليه السلام): "خذ الكمّون، والسّعتر، والملح، ودقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنك تعافى".
فانتبه الرجل من منامه ولم يفكر فيما كان رأى في منامه، ولا اعتدّ به حتى ورد باب نيشابور.
فقيل له: إن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قد ارتحل من نيشابور وهو بربط سعد، فوقع في نفس الرجل أن يقصده ويصف له أمره، ليصف له ما ينتفع به من الدواء، فقصده إلى رباط سعد.
فدخل إليه فقال: يا ابن رسول الله، كان من أمري كَيْتَ وكَيْتَ، وقد انفسد على فمي ولساني، حتى لا أقدر على الكلام  إلا بجهد، فعلمني دواء أنتفع به.
فقال (عليه السلام): "ألم أعلمك؟ اذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك".
فقال له الرجل: يا ابن رسول الله، إن رأيت أن تعيده عليّ.
فقال (عليه السلام): "خذ من الكمّون، والسّعتر، والملح، فدقّه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنك ستعافى".
قال الرجل: فاستعملت ما وصفه لي فعوفيت.
وخرجت قافلة الإمام الرضا (عليه السلام) من "رباط سعد"، وبمسافه قليلة وصلت إلى قرية الحمراء "ده سُرخ".

الرضا (عليه السلام) في قرية الحمراء"ده سرخ"
روى الصدوق عن أبي الصلت الهروي: أن الرضا (عليه السلام)، بلغ قرب القرية الحمراء "ده سرخ"، وكان قد نفذ ماؤهم، وزالت الشمس.
فقيل له: يا ابن رسول الله، قد زالت الشمس أفلا تصلّي؟.
فنزل (عليه السلام) فقال: "ائتوني بماء".
فقيل: ما معنا ماء.
فبحث (عليه السلام) بيدة الأرض، فنبع من الماء ما توضاء به هو ومن معه، وأثره باق إلى اليوم.
وخرجت قافلة الرضا (عليه السلام)، من قرية الحمراء "ده سرخ"، واستمرت في المسير إلى جهة "مرو"، حتى أشرفت على حيطان طوس.

الإمام الرضا (عليه السلام) في طوس
روى الصدوق عن أبي الصلت الهروي، أن موسى بن سيّار قال: كنت مع الرضا (عليه السلام)، وقد أشرف على حيطان طوس وسمعت واعية، فاتبعتها فإذا نخن بجنازة، بصرت بها رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه، ثم أقبل نجو الجنازة فرفعتها، ثم أقبل يلوذ بها ... ثم أقبل عليّ.
وقال: "يا موسى بن سيّار، من الذي شيع ولي من أوليائنا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه".
حتى إذا وضع الرجل "الميت"، على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل فأخرج الناس عن الجنازة، حتى بدا له الميت فوضع يده على صدره.
ثم قال: "يا فلان بن فلان أبشر بالجنة، فلا خوف عليك بعد هذه الساعة".
فقلت: جعلت فداك هل تعرف الرجل؟، فوالله إنها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا.
فقال لي: "يا موسى بن سيّار، أما علمت إنا معاشر الأئمة، تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحا ومساء، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا الله الشكر لصاحبه".
وأستمرت قافلة الرضا (عليه السلام) برحيلها قاصدة "مرو"، ومرت على العديد من قرى طوس، حتى وصلت إلى "قرية سناباد نوقان".

الرضا (عليه السلام) في قرية "سناباد"
روى الصدوق عن أبي الصلت الهروي، أنه لما دخل [الرضا (عليه السلام)] سناباد أسند [أستند]، إلى الجبل الذي ينحت منه القدور.
فقال (عليه السلام): "اللهم انفع به وبارك فيما يجعل فيما ينحت منه"، ثم أمر (عليه السلام) فنحت له قدور من الجبل.
وقال (عليه السلام): لا يطبخ ما آكله إلا فيها".
وكان (عليه السلام) خفيف الأكل، قليل الطعم، فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم، وظهرت بركة دعائه (عليه السلام) فيه.
ثم دخل الرضا (عليه السلام)، دار حُميد بن قحطبة الطائي، ودخل القبة التي فيها قبر هارون الرشيد، ثم خط بيده إلى جانبه.
ثم قال (عليه السلام): "هذه تربتي، وفيها أدفن، وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي وأهل محبتي، والله ما يزورني منهم زائر ولا يسلّم عليّ منهم مسلّم، إلا وجب له غفران الله، ورحمته بشفاعتنا أهل البيت".
ثم استقيل القبلة وصلّى ركعات، ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه، فأحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة، ثم انصرف.
وخرجت قافلة الرضا (عليه السلام)، من طوس ومن قرية "سناباد نوقان" قاصدة "مرو" فنزلوا مدينة "سرخس".

الإمام الرضا (عليه السلام) في "سرخس"
روى أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضّبّي عن أبيه، قال: سمعت جدّي يقول: سمعت أبي يقول: لما قدم علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بنيشابور أيام المأمون، قمت في حوائجه والتصرف في أمره ما دام بها، فلما خرج إلى مرو شعيّته إلى سرخس، فلما خرج من سرخس أردت أن أشيّعه إلى مرو، فلما سار مرحلة أخرج رأسه من العامرية.
وقال لي (عليه السلام): " يا أبا عبدالله انصرف راشدا فقد قمت بالواجب، وليس للتشييع غاية".
قال: قلت: بحق المصطفى والمرتضى والزهراء، لمّا حدثتني بحديث تشفيني به حتى أرجع.
فقال (عليه السلام): تسألني الحديث وقد أخرج من جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا أدري إلى مايصير أمري".
قال: قلت: بحق المصطفى والمرتضى والزهراء، لمّا حدثتني بحديث تشفيني به حتى أرجع.
فقال (عليه السلام): "حدثني أبي، عن جدّي أنه سمع أباه يذكره أنه سمع أباه يقول: سمعت أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يذكر أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: قال الله عزوجل: لا إله إلا الله اسمي، من قاله مخلصا من قلبه، دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي".
خرج الإمام الرضا (عليه السلام) ومن معه من مدينة سرخس، حتي وصلوا إلى مدينة "مرو" خلافة المأمون العباسي آنذاك.

الإمام الرضا (عليه السلام) في "مرو"
عندما قدم الإمام الرضا (عليه السلام) إلى "مرو"، رحّب به المأمون أحسن ترحيب، وأكرمه ثم جمع خواص أوليائه وأصحابه وقال: "يا ابن رسول الله، قد عرفت فضلك، وعلمك، وزهدك، وورعك، وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني".
وأخذ يعرض على الإمام (عليه السلام)، قبوله الخلافة والإمام يرفض، وبعد شهرين من الإصرار[الضاهر شعبان وشهر رمضان]، ولما يئس المأمون من قبوله للخلافة، عرض عليه ولاية العهد.