الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).. الفقيه السجين وناشر العلوم

الأربعاء , 07/20/2022 - 7:41
الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).. الفقيه السجين وناشر العلوم
الإمام موسى بن جعفر الصادق (عليه السلام) [127 أو 128 - 183هـ] الملقب بـالكاظم هو سابع أئمّة الشيعة الإثني عشرية. تصدّى لمنصب الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام الصادق (عليه السلام) سنة 148 هجري، واستمرت إمامته 35 سنة إلى أن استشهد مسموماً في 25 رجب سنة 183 للهجرة في بغداد.

اقترنت إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) مع اقتدار وبطش الدولة العباسية، فكان الإمام يعمل بالتقية تجاههم ويوصي أصحابه بالالتزام بها، ومن هذا المنطلق لم يذكر للإمام موقف معارض للدولة علانية، ولا موقف مساند للثورات العلويّة آنذاك كثورة فخّ، إلّا أنّه كان يسعى من خلال مناظراته مع العباسيين وغيرهم إزالة الشرعيّة عن حكومتهم، وله مناظرات علميّة مع علماء اليهود والنصارى أتت استجابة لأسئلتهم. وتمّ جمع ما يزيد عن 3000 من أحاديث الإمام الكاظم (عليه السلام) في كتاب مُسند الامام الكاظم، وقد رَوى قسماً منها أصحاب الإجماع.

لماذا خالف الإمام (عليه السلام) طغاة زمانه
شهدت المرحلة التي عاشها الإمام الکاظم (علیه السلام) اضطرابات ونزعات اجتماعیة وسیاسیة، اندفعت أثارها المفجعة إلى السطح بسرعة من خلال ظهور الأزمات والنکبات العلنیة التی خطط لها ونظم حرکتها زعماء النهج الجاهلي في تاریخنا الإسلامي، وذلك بقصد صرف الأمة عن مسیرتها الارتقائیة الحضاریة في التکامل الروحي والمفاهیمي والنبیل، من العمق الواعي للإسلام الرسالي المنفتح المتجذر في وعي أهل البیت الأطهار (علیهم السلام) حیث أدّت تلك الأفعال المشبوهة ذات المنطق العائلي الضیق المخالف لروح وقیم الإسلام الأصیل، إلى ابتعاد المسلمین عموماً عن ممارسة التجربة الصحیة والواعیة للإسلام وإدخالهم في متاهات الکفر والعصبیة البغیضة المعبرة عن میل انحداري شدید نحو کرسي الحکم وعرش السلطنة، حتى لو كلف ذلك الأمّة خسارة نهجها المشرق وطموحات رسالتها الإنسانیّة ومنظومتها الفکریّة والقیمیّة.
لقد استنزفت الأحداث الکارثیة الشيء الکثیر من طاقات ومواهب الأمّة، کما وحددت مقدراتها وإمکانیاتها التي کان من المفترض أن تشکل الأساس المتین لبناء قاعدة إسلامیّة صلبة في العمل الرسالي على مستوى تبلیغ ونشر الإسلام في کافة الأرجاء والأنحاء.
وبالعودة إلى المراجع التاریخیّة المعتمدة کمصادر دراسیّة أساسیّة في الحقل التاریخي الإسلامي، نجد إن الإمام موسى الکاظم (علیه السلام) عاصر فی حیاته عدة خلفاء، ممّن أتسم حکمهم بالاستبداد والفردیّة والتسلّط والظلم وشدّة الضغوطات الأمنیّة ووطأة الخطط السیاسیّة التي کانوا یضعونها، حیث کان إمامنا (علیه السلام) واعیاً لها ومدرکاً لحجم وأبعاد خطورتها، على المدى القریب والبعید، لقد قضت تلك الخطط بالسیطرة على مقدرات الأمّة ونهب خیراتها من خلال اتّباع سیاسة الترغیب والترهیب والتأکید على مبدأ القوة الحدیدیة والقمعیة الذي طبع کل تاریخهم.

الثورات الشيعية المعاصرة للإمام
عاصر الإمام (عليه السلام) من الثورات الشيعية ثورة فخّ التي تعتبر من أشدّ الحوادث التاريخية إيلاماً في تاريخ التشيع، وكانت بقيادة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي )عليه السلام( المعروف بـصاحب فخّ، سنة 169 هـ ضد الهادي العباسي في منطقة فخّ القريبة من مكة المكرمة.
وروى الكليني إنّه لمَّا خرج الحسين بن عليٍّ المقتولُ بفخٍّ جاء إلى الإمام )عليه السلام(، فَقال له أَبو الحسن موسى بن جعفر حين ودَّعهُ: "يا ابن عمِّ إنَّك مقتولٌ فأَجِدَّ الضِّرابَ فإنَّ القوم فُسَّاقٌ يُظهرونَ إِيماناً ويستُرونَ شركاً وإِنَّا للّهِ وإِنَّا إِليه راجعون أَحتسِبُكُمْ عند الله مِن عُصْبَة"

اعتقال الإمام وإيداعه السجن
اختلفت كلمة المؤرخين في السبب وراء اعتقال الإمام الكاظم (عليه السلام) وإيداعه السجن إلاّ أنّها متفقة على مكانة الإمام (عليه السلام) ومنزلته في الوسط الشيعي وكثرة الوشاة عليه.

الوشاية بالإمام (عليه السلام)
عمد البعض من أعداء الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى السعي بالإمام والوشاية به عند هارون ليتزلّفوا إليه بذلك.
من هؤلاء مَن أبلغ هارون بأن الإمام (عليه السلام) تجبى له الأموال الطائلة من شتّى الأقطار الإسلامية فأثار ذلك كوامن الحقد عند هارون، وفريق آخر من هؤلاء سعوا بالإمام (عليه السلام) إلى هارون، فقالوا له: إن الإمام موسى الكاظم يطالب بـالخلافة ويكتب إلى سائر الأقطار الإسلامية يدعوهم إلى نفسه ويحفّزهم ضد الدولة العباسية؛ وكان في طليعة هؤلاء الوشاة يحيى البرمكي وقيل بعض أبناء أخوة الإمام (عليه السلام)، فأثار هؤلاء كوامن الحقد على الإمام.
ومن الأسباب التي زادت في حقد هارون على الإمام الكاظم (عليه السلام) وسبّبت في اعتقاله احتجاجه عليه بأنّه أولى بـالنبي العظيم (صلی الله عليه وآله) من جميع المسلمين، فهو أحد أسباطه ووريثه وأنّه أحقّ بالخلافة من غيره وقد جرى احتجاجه (عليه السلام) معه في مرقد النبي (صلی الله عليه وآله).

وقد اعتقل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) مرتين لم نعرف عن تاريخ الأولى منهما والمدة التي قضاها في السجن شيئاً، فيما وقعت الثانية سنة 179 هجرية وانتهت بشهادته في السجن سنة 183هجرية، حيث استدعى هارون الرشيد الإمام سنة 179 هـ من المدينة، وأمر بالتوجه به إلى البصرة التي وصلها في السابع من ذي الحجة، فأودعوه في سجن عيسى بن جعفر، وبعد فترة انتقلوا به إلى سجن الفضل بن الربيع في بغداد ومنه إلى سجن الفضل بن يحيى وسجن السندي بن شاهك الذي كانت نهاية الإمام (عليه السلام) فيه.

ظهور بعض الفرق الشيعية
ذهبت طائفة من الشيعة في حياة الإمام الصادق (عليه السلام) إلى القول بأنّ الإمام من بعده ولده إسماعيل باعتباره الولد الأكبر، ولكن لمّا توفي إسماعيل في حياة أبيه أنكروا وفاته في بادئ الأمر، وقالوا: إنّه حي يرزق، ولمّا يئسوا من حياته ذهبوا إلى القول بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل، ومن هنا سمّوا بـالإسماعيلية.
وذهب فريق آخر إلى القول بإمامة عبد الله الافطح ابن الإمام الصادق (عليه السلام) عرفوا بـالفطحية، وظهرت فرقة أخرى تسمّى الناووسية، وإنما سميت بذلك لأنّ رئيسهم كان رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس، وهناك فريق آخر ذهب إلى القول بإمامة محمد بن جعفر المعروف بـالديباج.
وبعد استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) أنكر فريق من الشيعة وفاته، وقالوا: لم يمت وأنّه مهدي هذه الأمة، ووقفوا عند الإمام السابع ولم يؤمنوا بإمامة الرضا (عليه السلام) فعرفوا بـالواقفية.
ولاريب أن فكرة المهدوية تعد من أساسيات الفكر الإمامي وأنّ الشيعة يؤمنون بها منذ نشأة التشيع التي تعود إلى عصر النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله) حيث طفحت كلماته (صلی الله عليه وآله) وكلمات سائر الأئمة (عليهم السلام) بالتبشير بالمهدي الموعود من أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

كيف نشر خير علمه في أنحاء البلاد الإسلامية 
بادر الإمام الكاظم (عليه السلام) في توسيع مؤسسة الوكالة، فعيّن أشخاصاً في مختلف المناطق كَوُكَلاء عنه وذلك من أجل تسهيل تواصل الشيعة بإمامهم، واقترنت فترة إمامته بتشعّب الفرق الشيعية حيث نشأت في بداية إمامته. 
أشادت مصادر الشيعة وأهل السنة بعلمه وعبادته وبجوده وحلمه، ولُقّب بالكاظم لشدة كظمه الغيض، كما عُرف بالعبد الصالح واشتهر بباب الحوائج أيضاً، ويحظى الإمام باحترام علماء السنّة باعتبار أنّه عالم وفقيه، ويقصد ضريحه السنّة والشيعة في الكاظمية ببغداد والذي يعرف بالعتبة الكاظمية.

الولادة والوفاة
كان مولده بـالأبواء وقيل في المدينة في السابع من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة. وقبض (عليه السلام) شهيداً ببغداد في حبس السندي بن شاهك في الخامس والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وله يومئذٍ خمس وخمسون سنة، وكان رجلاً مربوعاً أسمر حلو السمرة حسَن الوجه مشرق متلألئ.
ورد أن لأبي الحسن الكاظم (عليه السلام) سبعة وثلاثون ولداً بين ذكر وأنثى وأشهرهم الإمام الرضا (عليه السلام) وأحمد بن موسى ومن أشهر بناته السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها).
وروى الصدوق أنّ نقشَ خاتمه "حَسْبِيَ اللَّه"، وفي رواية أخرى "الملك لله وحده". وقد وصفه الشيخ المفيد بالقول: كان أبو الحسن موسى (عليه السلام) أعبد أهل زمانه وأفقههم وأسخاهم كفاً وأكرمهم نفساً.

كيفية شهادته
استشهد الإمام الكاظم (عليه السلام) ببغداد في سجن السندي بن شاهك الذي أمر بوضع جنازة الإمام (عليه السلام) على الجسر ببغداد ونودي عليه تمويها على قتله، هذا إمام الرافضة فاعرفوه فإنّه موسى بن جعفر وقد مات حتف أنفه، ألا فانظروا إليه. فحفّ به الناس، وجعلوا ينظرون إليه.
ذهب مشهور المؤرخين إلى أنّه أستشهد مسموماً في حبس هارون على يد يحيى بن خالد أو السندي بن شاهك .

مرقده وثواب زيارته
يوم تشييع الإمام موسى (عليه السلام) يوم أغر لم تر مثله بغداد في أيامها يوم مشهود حيث هرعت الجماهير من جميع الشرائح إلى تشييع ريحانة رسول الله (صلی الله عليه وآله)، فقد خرج لتشييع جثمانه الطاهر جمهور المسلمين على اختلاف طبقاتهم يتقرّبون إلى الله جل جلالة بحمل جثمان سبط النبي (صلی الله عليه وآله)، وسارت المواكب متجهة إلى محلة باب التبن إلى المقر الأخير وقد أحاطت الجماهير الحزينة بالجثمان المقدس وهي تتسابق على حمله للتبرك به، فحفر له قبر في مقابر قريش وأنزله سليمان بن أبي جعفر في مقره الأخير، وبعد فراغه من مراسيم الدفن أقبل إليه الناس تعزّيه وتواسيه بالمصاب الأليم.
ومن ذلك الحين حتى يومنا هذا واصلت الشيعة وغيرهم من المسلمين التوافد على زيارته والتبرك بمرقده الشريف لما انتهى لهم من عظيم مكانته، وحثّ الأئمة المعصومين (عليهم السلام) على زيارته. 
عن الإمام الرضا (عليه السلام): "من زار قبرَ أبي ببغداد كمن زار قبرَ رسول الله(صلی الله عليه وآله) وقبرَ أمير المؤمنين (عليه السلام) إلاّ أنّ لرسول الله ولأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فضلَهما".

وفي رواية أخرى: "زيارة قبر أبي‌ الحسن (عليه السلام) كزيارة قبر الحسين (عليه السلام)".

النشاط العلمی للإمام الکاظم (علیه السلام)
إنّ تراث الإمام الکاظم (علیه السلام) والذي زوّد به أصحابه وطلاب مدرسته، هو من أروع ما خلّفه أئمّة المسلمین من الثروات الفکریة، ومن أنفس ما أبقاه علماء الإسلام من التراث العلمي، فقد تناول کثیراً من العلوم، کعلم الکلام وعلم الفقه والتفسیر والحدیث وغیرها من العلوم، یضاف إلیها حِکمُه وآراؤه القیّمة التي تناولت آداب السلوك والأخلاق وقواعد الاجتماع، وهي حافلة بأروع صور الفصاحة والبلاغة.

رسالته (علیه السلام) في العقل
لقد انتهى الإنسان في انطلاقه الرائع إلى هذه الاکتشافات المذهلة بفضل عقله وادراکه وعلمه، وقد تحدث الإمام موسى الکاظم (علیه السلام) عن أهم آثار العقل واستدل على فضله بالآیات الکریمة، وذلك في حدیثه الذهبي الذي زود به تلمیذه هِشامَ بن الحَکَم، ویُعتبر هذا الحدیث من أهم الثروات المعرفیّة التي أُثرت عن الإمام (عليه السلام).

من مواعظ وحکم الإمام الکاظم (علیه السلام)
روی عن الکاظم (علیه السلام) أنه قال: "صلاة النوافل قربانٌ إلى الله لکل مؤمن".
و"الحج جهاد کل ضعیف".
و"لکل شيء زکاة، وزکاة الجسد صیام النوافل".
و"أفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج".
و"من دعا قبل الثناء على الله والصلاة على النبي (صلى الله علیه وآله) کان کمن رمي بسهم بلا وتر".
و"التدبیر نصف العیش".
و"التودد إلى الناس نصف العقل".
و"کثرة الهم یورث الهرم، والعجلة هي الخرق".
و"قلة العیال أحد الیسارین".
و"من أحزن والدیه فقد عقّهما".
قال أبو الحسن الماضي (علیه السلام): "قل الحق وإن کان فیه هلاکك فإن فیه نجاتك ودع الباطل وإن کان فیه نجاتك فإن فیه هلاکك".
قال(علیه السلام): "ینبغي لمن عقل عن الله أن لا یستبطئه في رزقه ولا یتّهمه في قضائه".
وقال رجل: سألته عن الیقین؟ فقال (علیه السلام): "یتوکل على الله ویسلم لله ویرضي بقضاء الله ویفّض إلى الله".
وقال عبد الله بن یحیى: کتبت إلیه فی دعاء "الحمد لله منتهى علمه"، فکتب (علیه السلام): "لا تقولن منتهى علمه فإنه لیس لعلمه منتهى، ولکن قل منتهى رضاه".

الكلمات المفتاحية :