المباهلة.. ماذا قال الإمام الرضا (عليه السلام) عنها؟

السبت , 07/23/2022 - 10:39
المباهلة.. ماذا قال الإمام الرضا (عليه السلام) عنها؟

المباهلة:
المباهلة، وتعني الملاعنة أي الدعاء بإنزال لعنة الله على الكاذب من الطرفَين المتلاعنين، ويعنى بها ما وقع بين الرسول الأكرم (صلی  الله عليه وآله) ونصارى نجران في يوم 24 ذي الحجة سنة 9 هـ، وهناك من ذهب إلى وقوعها في 25 ذي الحجة ونزلت آية 61 من سورة آل عمران بهذا الشأن، كما اصطحب النبي (صلى الله عليه وآله) معه الإمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة (سلام الله عليها) والحسنين (عليهما السلام).

المباهلة في اللغة:
المُباهَلة في الأصل من مادة "بَهْل" على وزن اَهل بمعنى إطلاق وفك القيد عن الشيء وبذلك يقال للحيوان الطلق حيث لا توضع محالبها في كيس كي يستطيع وليدها أن يرضع بسهولة، يقال له "باهِلٌ".
و تستعمل بمعنی اللعن أيضا، قال أهل اللغة: المُباهَلة المُلاعَنة، مفاعَلةٌ من البُهْلة وهي اللَعنة، و"بهله الله" لعنه وأبعده من رحمته.

أحداث يوم المباهلة:
إن وفد نصارى نجران وهما السید والعاقب ومن معهما قالوا لرسول الله (صلى الله علیه وآله) هل رأیت ولداً من غیر ذکر؟، فنزل قوله تعالى: [إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ] (آل عمران، 59 – 61).
فلما دعاهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) إلى المباهلة استنظروه إلى صبیحة غد من یومهم ذلك فلمّا رجعوا إلى رحالهم قال لهم الأسقف: انظروا محمداً في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غیر شيء.
فلما کان من الغد جاء النبي (صلى الله علیه وآله) آخذا بید الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والحسن والحسین (عليهم السلام) بین یدیه یمشیان والسيدة فاطمة (سلام الله علیها) تمشي خلفه.
وخرج النصارى یقدمهم أسقفهم فلما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقیل له: هذا ابن عمه وزوج ابنته وأحب الخلق إلیه وهذان ابناء بنته من علي، وهذه الجاریة بنته فاطمة أعزّ الناس علیه وأقربهم إلیه، وتقدم رسول الله فجثا على رکبتیه، فقال أبو حارثة الأسقف: جثا والله کما جثا الأنبیاء للمباهلة، فرجع ولم یقدم على المباهلة.
فقال له السید: أدن یا حارثة للمباهلة، قال: لا، إني لأرى رجلا جریئا على المباهلة، وأنا أخاف أن یکون صادقاً، ولأن کان صادقا لم یحل علینا الحول والله وفي الدنیا نصراني یطعم الماء، فقال الأسقف: یا أبا القاسم، إنا لا نباهلك ولکن نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) على ألفي حلّة من حلل الأواقي قیمة کل حلّة أربعون درهما، فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك، وعلى عاریة ثلاثین درعا وثلاثین رمحا وثلاثین فرسا إن کان بالیمن کید، ورسول الله (صلى الله علیه وآله) ضامن حتى یؤدیها، وکتب لهم بذلك کتابا.
وروی أن الأسقف قال لهم: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن یزیل جبلا من مکانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلکوا ولا یبقى على وجه الأرض نصراني إلى یوم القیامة. 
وقال النبي (صلى الله علیه وآله): "والذي نفسي بیده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازیر، ولاضطرم الوادي علیهم نارا، ولما حال الحول على النصاري حتى هلکوا کلّهم".
قالوا: فلما رجع وفد نجران لم یلبث السيد والعاقب إلا یسیرا حتى رجعا إلى النبي (صلى الله علیه وآله) وأهدى العاقب له حلّة وعصا وقدحا ونعلین وأسلما.
فردّ الله سبحانه على النصارى قولهم في المسیح إنه ابن الله فقال: [إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ] أي في خلق الله إياه من غیر أب، [كَمَثَلِ آدَمَ] في خلق الله إیاه من غیر أب ولا أم، فلیس هو بأبدع ولا أعجب من ذلك فکیف أنکروا ذا وأقروا بذلك؟ [خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ] أي خلق عیسى من الریح ولم یخلق قبله أحدا من الریح کما خلق آدم من التراب ولم یخلق أحداً قبله من التراب، [ثُمَّ قَالَ لَهُ] أي لآدم کما قیل لعیسى [كُنْ فَيَكُونُ]  أي فکان في الحال کما أراد [الْحَقُّ] أي هذا هو الحق [مِنْ رَبِّكَ] أضافه إلى نفسه تأکیدا وتعلیلا [فَلَا تَكُنْ] أيها السامع [مِنَ الْمُمْتَرِينَ]  الشاكین [فَمَنْ حَاجَّكَ] أي جادلك وخاصمك [فِيهِ] أي في عیسى [مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ] أي من البرهان الواضح على أنه عبدي ورسولي.

في معنى أبناءنا وأبناءکم :
وقیل معناه فمن حاجك فی الحقّ [فَقُلْ] یا محمد لهؤلاء النصارى [تَعَالَوْا] أي هلمّوا إلى حجة أخرى فاصلة بین الصادق الرازي هذا یدل على أن الحسن والحسین ابناء رسول الله (صلى الله علیه وآله)، وأن ولد الأبنة ابن على الحقیقة، وقال ابن أبی علان وهو أحد أئمة المعتزلة، هذا یدل على أنهما (عليهم السلام) کانا مکلفین في تلك الحال، لأن المباهلة لا یجوز إلا مع البالغین.
وقال إن صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ینافي کما العقل وإنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحکام الشرعیة، وکان سنهما (عليهم السلام) في تلك الحال سنا لا یمتنع معها أن یکونا کاملي العقل، على أن عندنا یجوز أن یخرق الله العادات للأئمة ویخصهم بما لا یشرکهم فیه غیرهم، فلو صح أن کما العقل غیر معتاد في تلك السن لجاز ذلك فیهم إبانة لهم عمن سواهم ودلالة على مکانهم من الله واختصاصهم به، ومما یؤيده من الأخبار قوله النبي (صلى الله علیه وآله): "ابناءي هذان إمامان قاما أو قعدا".

نساءنا ونساءکم:
[وَنِسَاءَنَا] اتفقوا على أن المراد به السيدة فاطمة (سلام الله علیها) لأنه لم یحضر المباهلة غیرها من النساء، وهذا یدل على تفضیل السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله علیها) على جمیع النساء، ویعضده ماجاء في الخبر أن النبي (صلى الله علیه وآله) قال: "فاطمة بضعة مني یریبني ما رابها"، وقال (صلى الله عليه وآله): "إن الله یغضب لغضب فاطمة، ویرضى لرضاها".
وقد صح عن حذیفة أنه قال: سمعت النبي (صلى الله علیه وآله یقول): "أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ونساء أمّتي".
وعن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: أسرّ النبي (صلى الله علیه وآله) إلى فاطمة شیئا فضحکت، فسألتها قالت (سلام الله عليها): "قال لي ألا ترضین أن تکوني سيدة نساء هذه الأمّة أو نساء المؤمنین، فضحکت لذلك. 
[وَنِسَاءَكُمْ] أي من شئتم من نساءکم.

أنفسنا وأنفسکم:
[أَنْفُسَنَا] یعني عليّاً (عليه السلام) خاصة ولا یجوز أن یکون المعني به النبي (صلى الله علیه وآله) لأنه هو الداعي ولا یجوز أن یدعو الإنسان نفسه، وإنما یصح أن یدعو غیره وإذا کان قوله [وَأَنْفُسَنَا] لابد أن یکون إشارة إلى غیر الرسول، وجب أن یکون إشارة إلى الإمام علي (عليه السلام) لأنه لا أحد یدعي دخول غیر أمیر المؤمنین وزوجته وولدیه (عليهم السلام) في المباهلة، وهذا یدل على غایة الفضل وعلّ الدرجة، والبلوغ منه إلى حیث لا یبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا یدانیه فیه أحد ولا یقاربه، ومما یعضده في الروایات ما صح عن النبي (صلى الله علیه وآله) أنه سئل عن بعض أصحابه، فقال له قائل: فعليّ؟، فقال (صلى الله عليه وآله): "إنما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي".
وقوله (صلى الله علیه وآله) لبریدة: "لا تبغض علياً فإنه مني وأنا منه، وإن الناس خلقوا من شجر شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة". 
وقوله (صلى الله علیه وآله) بأحد وقد ظهر من نکایته في المشرکین ووقایته إياه بنفسه حتى قال جبرئیل: یا محمد إن هذه لهي المواساة، فقال (صلى الله عليه وآله): "یا جبرئیل إنه لمني وأنا منه"، فقال جبرئیل: وأنا منکما [وَأَنْفُسَكُمْ]، یعني من شئتم من رجالکم [ثُمَّ نَبْتَهِلْ] أي نتضرّع في الدعاء عن ابن عباس، وقیل: نلتعن، فنقول لعن الله الکاذب [فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ] منّا، وفي هذه الآیة دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي (صلى الله علیه وآله)، لأنهم امتنعوا من المباهلة وأقروا بالذل والخزي وانقادوا لقبول الجزیة، فلو لم یعلموا ذلك لباهلوه وکان یظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال ولو لم یکن النبي (صلى الله علیه وآله) متیقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه لو باهلوه لمّا أدخل أولاده وخواص أهله في ذلك مع شدة إشفاقه علیهم.

أعمال ومستحبات یوم المباهلة:
وفي هذا الیوم تصدق الإمام أمیر المؤمنین (علیه السلام) بخاتمه حال الرکوع في الصلاة على المسکین فنزل في حقّه قوله تعالى: [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ] (المائدة، 55 – 56).
وقد وردت لهذا الیوم العظیم أعمال مستحبة منها:
أوّلا: الغسل.
ثانیا: الصوم.
ثالثا: صلاة رکعتین یقراء في کل منهما بعد الحمد، التوحید (10 مرات) وآیة الکرسي إلى "وهم فیها خالدون" (10 مرات) وسورة القدر (10 مرات) وثوابها کثواب صلاة یوم عید الغدیر الأغر، إضافة إلى صلوات أخرى.
رابعا: قراءة دعاء یوم المباهلة وهو دعاء سریع الإجابة ومشتمل على الاسم الأعظم وشبیه بدعاء السحر في شهر رمضان المبارك وهو مروي عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) وتجده في کتب الأدعیة والزیارات في أعمال یوم المباهلة.

احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام) بالمباهلة:
قال المأمون يوما للإمام الرضا (عليه السلام) أخبرني بأكبر فضيلة للإمام علي (عليه السلام) يدل عليها القرآن.
فقال له الإمام الرضا (عليه السلام): "فضيلته في المباهلة [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ...] (آل عمران،61) فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) و الإمام الحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) فكانا ابنيه، ودعا فاطمة (سلام الله عليها)، فكانت في هذا الموضع نساءه، ودعا الإمام علي (عليه السلام) فكان نفسه بحكم الله عزوجل، وقد ثبت أنه ليس أحد من خلق الله سبحانه أجل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأفضل، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحكم الله عز وجل".
فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع، وإنما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنيه خاصة وذكر النساء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنته وحدها، فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون للإمام علي (عليه السلام) ما ذكرت من الفضل؟
فقال له الرضا (عليه السلام): "ليس بصحيح ما ذكرت، وذلك أن الداعي إنما يكون داعيا لغيره كما يكون الآمر آمرا لغيره ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله تعالى في كتابه وجعل حكمه ذلك في تنزيله".
فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال.
 

الكلمات المفتاحية :