الإمام الرضا.. عالم آل محمد ذلك الفقيه المحاور 

الإثنين , 11/22/2021 - 11:44
الإمام الرضا.. عالم آل محمد ذلك الفقيه المحاور 
الإمام علي الرضا عليه السلام، هو علي بن موسى بن جعفر، المعروف بـالرضا، ثامن أئمة أهل البيت عند الشيعة الإمامية، تولى الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) واستمرّت إمامته حوالي 20 عاماً. له ألقاب عدة أشهرها الرضا وكنيته أبو الحسن الثاني، ولد في المدينة المنورة سنة 148 هـ، واستشهد بسمٍّ دُسَّ إليه في العنب أو الرمان، في طوس سنة 203 هـ، ودفن في مدينة مشهد وصار مرقده مزاراً يقصده الملايين من مختلف البلدان.

بعد أن كان الإمام الرضا (عليه السلام) يُقيم في المدينة المنورة، انتقل إلى خراسان بطلب من المأمون العباسي، ليُكرهه على قبول ولاية عهده، وعند مروره بنيشابور روى حديث سلسلة الذهب المشهور.
عُرف عند أهل زمانه بالزهد والعبادة والإحسان للمستضعفين، غير أنّه اشتهر بسعة علمه ومعارفه، وذلك لتَفَوَّقه على جميع من ناظره من مختلف المذاهب والأديان، وهذا ما كشفته مناظراته التي كان يقيمها المأمون العباسي بينه وبين كبار علماء المذاهب والأديان، لعلّه يتمكن من إثبات أنّ أئمة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) ليس لديهم علم لَدُنّي كما هو المتداول عند شيعتهم ومواليهم.

محل إقامته:
وُلِد الإمام الرضا (عليه السلام) في المدينة المنورة، واستشهد في طوس، وبسبب وجود تضارب في تاريخ ولادته وعمره فمن الصعب تحديد المدة الزمنية الدقيقة التي أقام في المدينة.
ولكن المعروف بأنه قضى حوالي سبع عشرة سنة من إمامته في المدينة وهي فترة ما بين سنة 183 هـ، استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) حتى إشخاصه إلى خراسان سنة 201 هـ.
وبعد انتقاله إلى طوس أقام بقية حياته هناك، والتي هي سنتان حيث استشهد في سنة 203 للهجرة، وفيما عدا المدينة المنورة وطوس، أقام الإمام لمدة قصيرة في كل من الكوفة، والبصرة والأهواز أيضاً.

فترة إمامته:
تصدى الإمام الرضا (عليه السلام) للإمامة بعد أبيه لمدة 20 سنة بين (183 -203 هـ)، وعاصر فيها مُلك هارون الرشيد (10 سنوات) ومُلك محمد الأمين ( 3 سنوات وخمسة وعشرين يوماً)، ثمّ خُلع الأمين واُجلس عمّه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة (14 يوماً)، ثُم اُخرج محمد ثانية وبويع له وبقى بعد ذلك (سنة وسبعة أشهر) وقتله طاهر بن الحسين، ثُم مُلك المأمون (5 سنوات).

دلائل إمامته:
من أبرز دلائل إمامته، نص الروايات التي رويت على جمهرة من أصحاب أبيه الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) منهم: داود بن كثير الرقيّ ومحمد بن إسحاق بن عمار وعلي بن يقطين ونعيم القابوسي والحسين بن المختار وزياد بن مروان وداود بن سليمان ونصر بن قابوس وداود بن زربي ويزيد بن سليط ومحمد بن سنان.
ومن هذه الروايات:
عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم [يعني الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)]: فداك أبي إني قد كبرت وخفت أن يحدث بي حدث ولا ألقاك، فأخبرني من الإمام من بعدك؟ فقال (عليه السلام): "ابني علي".
وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول [الكاظم (عليه السلام)]: ألا تدلني على من آخذ منه ديني؟ فقال (عليه السلام): "هذا ابني علي‏..."
بالإضافة إلى الروايات العديدة، فإنّ مقبوليّة الإمام الرضا (عليه السام) بين شيعته وأفضليته العلميّة والأخلاقيّة هي التي أثبتت إمامته على الرغم من أنّ قضية الإمامة كانت في زمنه في غاية الحساسية والتعقيد، ولكن أكثر أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) سلموا بإمامة الإمام الرضا (عليه السلام) من بعده.

شهادته:
أجمع علماء ومؤرّخو الشيعة على أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) استشهد بسبب السمّ الذي دسّ له في العنب أو الرمان بأمرٍ من المأمون العباسي.
فقد روى الشيخ المفيد أن عبد الله بن بشير قال: أمرني المأمون أن أطول أظفاري عن العادة، ولا أظهر لأحد ذلك ففعلت، ثم استدعاني فأخرج إلي شيئاً شبه التمر الهندي.
وقال لي: اعجن هذا بيديك جميعاً ففعلت، ثم قام وتركني فدخل على الرضا (عليه السلام)، فقال له: ما خبرك؟.
قال (عليه السلام): "أرجو أن أكون صالحا".
قال له: أنا اليوم بحمد الله أيضاً صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم؟.
قال (عليه السلام):" لا".
فغضب المأمون، وصاح على غلمانه، ثم قال: خذ ماء الرمان الساعة، فإنّه مما لا يستغنى عنه.
ثم دعاني، فقال: ائتنا برمان فأتيته به، فقال لي أعصره بيديك ففعلت، وسقاه المأمون الرضا بيده، فكان ذلك سبب وفاته‏.
وقد دفنه المأمون في بيت حميد بن قحطبة الطائي أي البقعة الهارونية الواقع في قرية سناباد، حيث يقع الحرم الرضوي اليوم في إيران في محافظة خراسان الرضوي مشهد المقدّسة.
ونقل الصدوق جملة من روايات بهذا المضمون، ذكر في بعضها أنّ المأمون دسّ إليه السم في العنب وفي بعضها العنب والرمّان.
وكذلك جاء في تاريخ اليعقوبي: انطلق المأمون في عام 202 للهجرة من مرو إلى العراق مصطحباً معه وليّ عهده الإمام الرضا (عليه السلام) ووزيره الفضل بن سهل ذا الرئاستين.
ولما صار إلى طوس توفي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بقرية يقال لها النوقان أول سنة 203 هـ، ولم تكن علته غير ثلاثة أيام، فقيل إنّ علي بن هشام أطعمه رمانا فيه سم، وأظهر المأمون عليه جزعا شديدا، كما ذكر ابن حبان في كتابه الثقات عند ترجمته لـ "علي بن موسى الرضا (عليه السلام)": ومات علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بطوس من شربة سقاه إياها المأمون، فمات من ساعته وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين.
وذكر المؤرخون أنّ من الأسباب التي دفعت بالمأمون للإقدام على فعلته:
أولا: انتصاره وتغلبه على علماء عصره في حلقات المناظرة.
ثانيا: ما حصل من وقائع أثناء صلاة العيد حيث أنّ المأمون شعر بالخطر الشديد مما حدث في تلك الحادثة، فجعل عليه عيونا تراقبه خشية أن يقوم بما يعد مؤامرة ضدّ المأمون.
والمشهور عند الشيعة أن شهادته كانت في شهر صفر سنة 203 هــ عن عمر ناهز ( 55 ) عاما، وحدّدها الطبرسي في الآخر من شهر صفر.
وهناك من ذهب إلى أنّ شهادته كانت في 21 من شهر رمضان، ورأي ثالث يذهب إلى القول أنّ شهادته كانت في 18 جُمادى الأولى، ورابع يرى أنّها في 23 من ذي القعدة أو آخرها سنة 202 هـ أو 203 هـ أو 206 هـ، وروى الكليني أن شهادته كانت في يوم الجمعة أو الاثنين آخر صفر أو 17 صفر أو 21 رمضان أو 18 جمادى الأولى أو 23 ذي القعدة أو آخره سنة 202 أو 203 أو 206 هـ، عن عمر ناهز 55 عاماً وهذا هو المشهور بين أكثر المؤرخين، وحدّدها الشيخ الطبرسي في الآخر من صفر.
وبسبب الاختلاف في تاريخ ولادته وشهادته، فقد اختُلف أيضا في تحديد عمره الشريف، فكان ما بين 47 -57، إلّا أنه بحسب المستفاد من الرأيين المشهورين في تاريخ ولادته وشهادته يكون قد ناهز الـ 55 عاما.

في الإحسان والعطف:
من أبرز مُميِّزات الإمام الرضا (عليه السلام)، هو عطفه وإحسانه على المساكين والفقراء وخاصة المستضعفين من العبيد:
أخرج الكليني عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرِّضَا (عليه السلام) فِي سَفَرِهِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَدَعَا يَوْماً بِمَائِدَةٍ لَهُ فَجَمَعَ عَلَيْهَا مَوَالِيَهُ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ.
فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ لَوْ عَزَلْتَ لِهَؤُلَاءِ مَائِدَةً.
فَقَالَ (عليه السلام): "مَهْ إِنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاحِدٌ وَالْأُمَ‏ وَاحِدَةٌ وَالْأَبَ وَاحِدٌ وَالْجَزَاءَ بِالْأَعْمَالِ".

في العلم والمعرفة:
عُرِف الإمام الرضا (عليه السلام)، بتفرّده عن أهل زمانه بسعة العلم والمعرفة، وشهد له بذلك مختلف أصحاب المذاهب والأديان، والروايات في ذلك كثيرة:
منها ما قاله عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ‏ مِنْ‏ عَلِيِ‏ بْنِ‏ مُوسَى‏ الرِّضَا (عليه السلام) وَلَا رَآهُ عَالِمٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ، وَلَقَدْ جَمَعَ الْمَأْمُونُ فِي مَجَالِسَ لَهُ ذَوَاتِ عَدَدِ عُلَمَاءِ الْأَدْيَانِ وَفُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَغَلَبَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْفَضْلِ وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُصُورِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ: "كُنْتُ أَجْلِسُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْعُلَمَاءُ بِالْمَدِينَةِ مُتَوَافِرُونَ، فَإِذَا أَعْيَا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَشَارُوا إِلَيَّ بِأَجْمَعِهِمْ، وَبَعَثُوا إِلَيَّ بِالْمَسَائِلِ فَأَجَبْتُ عَنْهَا".
ومنها ما روي عن أَبُي ذَكْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْعَبَّاسِ يَقُولُ‏: مَا رَأَيْتُ الرِّضَا (عليه السلام) سُئِلَ عَنْ شَيْ‏ءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ بِمَا كَانَ فِي الزَّمَانِ إِلَى وَقْتِهِ وَعَصْرِهِ، وَكَانَ‏ الْمَأْمُونُ‏ يَمْتَحِنُهُ‏ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ بِالسُّؤَالِ عَنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، فَيُجِيبُ فِيهِ وَكَانَ كَلَامُهُ وَجَوَابُهُ وَتَمْثِيلُهُ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، وَيَقُولُ: "لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَخَتَمْتُ، وَلَكِنْ مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فِيهَا وَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ نَزَلَتْ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ فَلِذَلِكَ صِرْتُ أَخْتِمُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ".

معرفته بكل اللّغات:
تميَّز الإمام الرضا (عليه السلام)، بمقدرته على مخاطبة كل قوم بلغته، وهذا قد تظافرت به الروايات الواردة عن مَن كان يتواصل معه:
يقول اسماعيل السندي: سمعت بالهند أنّ لله في العرب حجّة، فخرجت في طلبه، فدللت على الرضا (ع) فقصدته وأنا لا أحسن العربية، فسلّمت عليه بالسنديّة، فردّ عليَّ بلغتي، فجعلت اُكلمه بالسندية، وهو يردّ عليَّ بها.
وقلت له: إنّي سمعت أنّ لله حجّة في العرب، فخرجت في طلبه.
فقال (عليه السلام): "أنا هو"، ثمّ قال لي: "سلْ عمّا أردته"، فسألته عن مسائل فأجابني، عنها بلغتي.
ويقول أبو الصّلت الهروي: كان الرضا (عليه السلام) يكلم الناس بلغاتهم، فقلت له في ذلك.
فقال (عليه السلام): "يا أبا الصّلت، أنا حجّة الله على خلقه، وما كان الله ليتّخذ حُجّة على قوم وهو لا يعرف لُغاتهم، أو ما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أُوتينا الخطاب، وهل هو إلا معرفته للُّغات".

مكانته في المدينة:
كان الإمام الرضا (عليه السلام) يعيش في المدينة المنورة وكان يتمتع بمكانة مرموقة بين الناس، فورد في رواية أن الإمام (عليه السلام) يصف موقعه بالمدينة للمأمون العباسي قائلا:
"ولقد كنت بالمدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب، ولقد كنت أركب حماري وأمرّ في سكك المدينة وما بها أعزّ مني، وما كان بها أحد منهم يسألني حاجة يمكنني قضاؤها له إلا قضيتها له".
كما روي عنه (عليه السلام) في وصف مكانته العلمية في المدينة:
"كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيَى الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم و بعثوا إليّ بالمسائل فأجيب عنها".

مكانته عند عموم المسلمين:
حاز الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) مكانة كبيرة عند الشيعة الإمامية، حيث كان الإمام الثامن من أئمتهم الإثني عشر، وكذلك كانت له مكانة عند من لم يعتقد بإمامته، من أعلام المذاهب الإسلامية الأخرى وتجلى ذلك في كلماتهم التي دوّنوها في مصنفاتهم عنه:
قال ابن حجر: كان الرضا (عليه السلام) من أهل العلم والفضل مع شرف النسب.
قال السمعاني: والرضا (عليه السلام) كان من أهل العلم والفضل مع شرف النسب.
قال الذهبي: كبير الشأن، له علم وبيان، ووقع في النفوس، صيره المأمون ولي عهده لجلالته.
قال الواقدي: كان ثقة يفتي بمسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن نيف وعشرين سنة.
قال اليافعي: توفى الإمام الجليل المعظم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، أحد الأئمة الأثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم ... .
قال ابن حبان: علي بن موسى الرضا (عليه السلام)... من سادات أهل البيت وعقلائهم، وأجلة الهاشميين ونبلائهم ... وقد زرته مرارا كثيرة وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عني إلا استجيب لي وزالت تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين.